رَجُلٌ بعشرة وجوه !!

منذ أن رفع الإنسان رأسه نحو السماء متسائلاً عن سر وجوده،ظل السؤال الأكثر غموضاً ليس ما العالم؟ بل من أنا؟ فالعالم الخارجي مهما اتسع،يبقى أقل تعقيداً من العالم الكامن داخل النفس البشرية.

وبينما اعتقد الإنسان طويلاً أنه كائن يمتلك جوهراً ثابتاً،وشخصية محددة المعالم،يأتي كتاب «النماذج العشرة للبشر» للكاتب ديكستر دياس ليقترح رؤية مختلفة،رؤية ترى الإنسان ككائن متعدد الوجوه؛تتغير ملامحه النفسية بتغير الظروف،وتتشكل أفعاله عند التقاء الداخل بالخارج.

إننا نميل إلى تصنيف البشر في قوالب أخلاقية جاهزة؛فنصف هذا بالخير،وذاك بالشر،ونعتقد أن الفضيلة أو الرذيلة صفات مستقرة في أعماق النفوس،لكن التجربة الإنسانية تكشف شيئاً أكثر تعقيداً؛فالإنسان الذي يضحي بحياته من أجل غريب قد يكون هو نفسه الذي يقسو على أقرب الناس إليه،والشخص الذي يبدي شجاعة استثنائية في موقف ما قد ينهار أمام خوف بسيط في موقف آخر.

إن هذه التناقضات ليست في الشخصية بقدر ما هي انعكاسات لتعدد الإمكانات الكامنة داخل الكائن البشري.فالإنسان ليس نهراً يسير في مجرى واحد،بل هو دلتا واسعة تتشعب فيها الجداول والاحتمالات،وفي أعماقه يسكن الناجي والمحارب،والمتعاطف والأناني،والعاشق والخائف،والمبدع والمستسلم،والمحب والكاره.

وكل واحد من هذه الوجوه ينتظر ظرفاً معيناً كي يظهر على السطح ويعلن حضوره.

ولعل أكثر ما يثير التأمل أن الخير والشر ليسا قوتين منفصلتين تتصارعان داخل النفس،بل هما عنصران متجاوران في البنية الإنسانية ذاتها.فكما أن النار قادرة على التدفئة والإحراق معاً،فإن الطاقة النفسية نفسها التي تدفع الإنسان إلى الرحمة قد تتحول -في ظروف أخرى- إلى قسوة.

وما نراه من أفعال البشر ليس سوى النتيجة الظاهرة لتفاعل معقد بين الاستعدادات الداخلية والظروف الخارجية.

ومن هنا تبرز أهمية السؤال الذي يطرحه الكتاب ضمنياً:هل نحاكم الإنسان بناءً على ما فعله،أم بناءً على الظروف التي دفعته إلى الفعل؟فكم من شخص كان يمكن أن يصبح بطلاً لو وُضع في ظرف مختلف،وكم من شخص نُعدّه صالحاً لم يُختبر أصلاً بالامتحانات التي تكشف حقيقة معدنه.

إن الأحكام المطلقة على البشر غالباً ما تتجاهل تلك الحقيقة المربكة،وهي أن الإنسان ابن ظروفه بقدر ما هو ابن إرادته.

وفي عمق هذه الرؤية يكمن درس فلسفي بالغ الأهمية،وهو أن معرفة الذات ليست اكتشافاً لجوهر ثابت،بل هي اكتشاف للخريطة الكاملة للإمكانات التي نحملها في داخلنا.

فالنضج لا يعني أن نعرف من نحن فقط،بل أن ندرك ما يمكن أن نصبح عليه في مختلف الظروف. إن الوعي الحقيقي يبدأ عندما يعترف الإنسان بأن داخله مناطق مجهولة،وأن شخصيته ليست حقيقة مكتملة،بل تضاريس نفسية دائمة التشكُّل.

ولهذا؛فإن فهم الآخرين يتطلب قدراً من التواضع الإنساني،فكل شخص نقابله يخوض معركة خفية بين وجوهه المتعددة،وكل سلوك نراه هو مجرد قمة جبل الجليد الذي تخفي أعماقه تاريخاً طويلاً من المخاوف،والرغبات،والانتماءات، والجراح والأحلام.

إن أعظم ما يكشفه هذا الكتاب، ليس أن البشر مختلفون،بل أنهم متشابهون في تعقيدهم.

فكل إنسان يحمل داخله العشرة جميعاً؛يحمل إمكانية النجاة والخوف،والسلطة والرحمة، والانتماء والتمرد،والإبداع والبحث عن المعنى.

وما الحياة إلا المسرح الذي تتعاقب عليه هذه الشخصيات،بينما يظل السؤال مفتوحاً إلى الأبد:أيُّ وجهٍ منا سيظهر عندما تطرق الظروف بابنا؟

وربما لهذا السبب لا يكفي لفهم الإنسان أن نسأل: «من هو؟»،بل يجب أن نسأل أيضاً:«في أي عالم وُضع؟».
فبين الإنسان وظروفه حوارٌ لا ينتهي،ومن هذا الحوار تُكتب الحكاية الكاملة للنفس البشرية.

سليمان مُسْلِم البلادي
@solimanalbiladi

الحلقات السابقة من روشتة وعي

تعليق واحد على “رَجُلٌ بعشرة وجوه !!

أحمد بن مهنا

يفتح هذا المقال مجالا لأسراب من التفكير …
ومما يتعالى أمام النظر عظيم العافية للمسلم فيحمد ﷲ كثيرا على الهدى … ويهب عليه النسيم العاطر مع تذكره قوله تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) .. ومع قوله تعالى ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) ففي كل أحواله هو في التقويم الفطري وفي كل تفاعلاته الحياتية في عبادة لربه يطمئن بها قلبه وتصغر الدنيا كلها عنده ويتلذذ بالأمل ويبتهج بالرجاء ويثق بحسن ظنه بربه … الحمدلله على العافية والحمدلله على هداه ، كثيرا ما نجد بوضوح آثار ضلال أبرز الكتاب غير المسلمين يضهر وكأنه لون لا يتغير وإن تلون ! ويظهر نور الهدى على كتابات المسلمين….
شكرا لك أ. سليمان .. كم تحرك بما تكتب الفكر للتأمل وللمقارنة .. وهذا والله من أهم فوائد القراءة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *