لم يكن المشهد عاديًا.
في إحدى الجهات الحكومية، اجتمع الموظفون في قاعة كبيرة لمناقشة تعثر مشروع استراتيجي. وبينما كان الجميع ينتظر بدء الاجتماع، وقف أحد مديري الإدارات الفرعية فجأة، وبدأ يتحدث بثقة مفرطة، موجّهًا الاتهامات للجميع:
“المشكلة ليست في إدارتنا… المشكلة في ضعف التزام الأقسام الأخرى”.
لم يكن أحد يتوقع أن هذا الشخص نفسه تجاهل عشرات المراسلات، ولم يُنجز من المشروع سوى العناوين.
لكن الأكثر إثارة للدهشة أن روايته قُبلت فورًا، وكأنها الحقيقة الوحيدة.
هكذا، وأمام أعين الجميع، تُصنع “الحقيقة” بطريقة مقلوبة، ويُعاد تشكيل الواقع الإداري وفق ما يريده المتلاعبون.
هذا المشهد ليس حالة فردية، بل أصبح نموذجًا متكررًا في بعض الأجهزة الحكومية، حيث تتصدر “الشخصية التلاعبية” المشهد، وتعيد رسم ملامح المؤسسة وفق مصالحها، بينما تتراجع الكفاءات الحقيقية إلى الصفوف الخلفية.
هذه الشخصية لا تعتمد على العمل، بل على صناعة الانطباع.
لا تعتمد على الإنجاز، بل على الظهور.
لا تعتمد على الكفاءة، بل على الولاء الشخصي.
وهي بذلك تمثل تهديدًا مباشرًا لمبادئ الحوكمة والنزاهة التي تقوم عليها رؤية السعودية 2030.
فالخطر لا يكمن في وجود هذه الفئة فقط، بل في أن البيئة الإدارية — في بعض المواقع — أصبحت تغذيها دون قصد.
فعندما تُترك إدارات الفروع أو إدارات المراكز لتعيين مديري الإدارات الداخلية أو الوحدات، فإن الاختيار لا يكون دائمًا مبنيًا على الكفاءة، بل على من يضمن الولاء، ومن ينفذ الأجندة، ومن يلتزم الصمت حين يجب الكلام.
وهكذا تتشكل شبكات مغلقة تُدار بالولاء لا بالكفاءة، وبالعلاقات لا بالإنجاز، وبالطاعة لا بالنتائج.
ولأن هذه الفئة تدرك أن الأنظمة الرسمية تشترط الإعلان عن الوظائف القيادية، فإنها تلجأ إلى حيلة قانونية الشكل، فاسدة الجوهر:
تنشر إعلانًا لوظيفة “مدير إدارة” أو “مدير وحدة”، وتضع شروطًا عامة، ثم تضيف شرطًا واحدًا يمثل مفتاح التلاعب:
“أن يجتاز المتقدم المقابلة الشخصية”.
وهذه المقابلة يجريها الأشخاص أنفسهم الذين يريدون تمرير مرشحهم.
وبذلك يصبح الإعلان مجرد واجهة شكلية، بينما يكون القرار الحقيقي محسومًا مسبقًا.
إنها طريقة “نظيفة على الورق… ملوثة في الواقع”.
ولضمان استمرار السيطرة، تُمنح الترقيات والمكافآت والبدلات لمن يثبت ولاءه، لا لمن يثبت كفاءته.
فيتحول المنصب إلى مكافأة على الطاعة، لا نتيجة للعمل.
وتتحول المؤسسة إلى “إقطاعية” صغيرة تُدار من خلف الستار، تُقصى منها الكفاءات، ويُحاصر فيها كل صوت إصلاحي.
هذه الممارسات تمثل انتهاكًا صريحًا لمبادئ الحوكمة التي تقوم على:
• الشفافية: والمتلاعبون يخفون كل شيء.
• المساءلة: والمتلاعبون يهربون من كل مسؤولية.
• العدالة: والمتلاعبون يوزعون المناصب كغنائم.
• تكافؤ الفرص: والمتلاعبون يرفعون الأضعف ويقصون الأقوى.
كما أنها تتعارض مع مبادئ النزاهة التي تشدد عليها الدولة، ومع مستهدفات رؤية 2030 التي تهدف إلى بناء جهاز حكومي فعّال وشفاف، قائم على الكفاءة، ومحارب للفساد الإداري.
إن وجود هذه الفئة في المناصب يعني أن المشاريع ستتعثر، والمبادرات ستتوقف، والخطط ستتحول إلى أوراق بلا تنفيذ.
ويعني أن المؤسسة تُدار من قبل أشخاص لا يعرفون من العمل إلا شكله، ولا من المسؤولية إلا عنوانها.
ويعني أن الكفاءات الحقيقية ستغادر بصمت، بينما يترقى المتسلقون بصوت عالٍ.
ويعني أن المال العام سيُهدر، وأن الوقت سيضيع، وأن الأداء سيتحول إلى مسرحية طويلة بلا نهاية.
الخطر الحقيقي ليس في أن هذه الفئة موجودة…
الخطر الحقيقي أنها تنجح.
تنجح في البقاء.
تنجح في الترقية.
تنجح في السيطرة على القرار.
تنجح في تحويل المؤسسة إلى منظومة موازية تُدار من خلف الستار.
ولذلك، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تجفيف منابع التلاعب، ومنع تكوين شبكات الولاء، وربط الترقية والمكافآت بالأداء الفعلي لا بالانطباعات، وتعزيز أدوات القياس، وتفعيل المساءلة، وتمكين الكفاءات الحقيقية.
إن رؤية 2030 لا يمكن أن تتحقق بوجود ممثلين في مواقع القيادة.
ولا يمكن أن تُبنى دولة حديثة على أساس الولاء الشخصي.
ولا يمكن أن تُدار مؤسسات المستقبل بعقلية “المسرح” و”الواجهة” و”التمثيل”.
لقد آن الأوان لرفع الستار عن الحقيقة.
آن الأوان لوقف تمدد هذه الفئة.
آن الأوان لإعادة الاعتبار للكفاءة، وإعادة الثقة للمجتمع، وإعادة الانضباط للمؤسسات.
فالمسرح مكان جميل…
لكن الأجهزة الحكومية ليست مسرحًا، ولن تكون كذلك ما دامت الحوكمة قائمة، والنزاهة خطًا أحمر، ورؤية 2030 هي البوصلة التي تقود الطريق نحو جهاز حكومي لا مكان فيه للمتلاعبين.
فايز حميد البشري
مقالات سابقة للكاتب