فلسفة الألم عند أصبعنا الصغير!

حين نصطدم بأصبع قدمنا الصغير؛ يتحول هذا الألم -فجأةً- إلى مركز الانتباه كله، متجاوزاً كونه مجرد وخزة عابرة في طرف الجسد.
في تلك اللحظة القصيرة؛ يتقلّص العالم من اتساعه الهائل، وتنكمش الفكرة الكبرى للحياة، وتتراجع المشاريع والأحلام والذكريات؛ ليبقى الوعي كله محصوراً في بقعةٍ صغيرة نابضة بالألم.
في لحظة اصطدام أصبعنا الصغير؛ يبدو وكأن الإنسان -مهما ادّعى الاتزان والعقلانية- يظل كائناً تُعيّده المعاناة إلى أكثر صوره بدائية وهشاشة، ويرجع إلى طفولته الأولى التي يهزمه فيها الألم، ويبكي من الوجع -مهما صغُر حجمه- الذي أصابه.
والحقيقة أن الألم لا يُقاس حجمه بمساحة الجرح، بل بمقدار حضوره في وعينا.
فأصبع صغير قادر على أن يهزم اتساع الجسد كله،كما تستطيع فكرة واحدة مُظْلِمة أن تبتلع سنوات من الطمأنينة، وكما يمكن لخذلانٍ عابر أن يُطفئ يقيناً طويلاً بالناس.
فنحن لا نعيش الأشياء بحجمها الحقيقي، بل بحجم تأثيرها على أرواحنا.
ولعل هذه الحادثة اليومية البسيطة تكشف سرّاً وجودياً عميقاً، وهو أن الإنسان ليس كائناً عادلاً مع نفسه؛ فهو لا يشعر بعافية أعضائه السليمة طوال اليوم، لكنه ينتبه فوراً إلى الجزء المتألم فقط.
إن القلب الذي يعمل بصمت لا يلفت الانتباه، والرئتان اللتان تمنحان الحياة لا تُشكران، واليدان اللتان تنجزان لا تُحتفى بهما، لكن ألماً صغيراً يفرض نفسه كطاغيةٍ على كامل الإدراك، وكأن المعاناة وحدها تمتلك القدرة على احتلال الوعي.
وهذا ما يحدث أيضاً في الحياة النفسية؛ فقد يمتلك الإنسان نعماً كثيرة، لكنه يظل أسير نقصٍ واحد، أو ذكرى موجعة، أو كلمة جارحة، أو عيباً في شريكه.
إن العقل البشري لا يوزّع انتباهه بالتساوي؛ إنه ينحاز دوماً لما يؤلمه؛ ولذلك، فإن بعض الناس لا يعيشون حياتهم كاملة، بل يعيشون داخل جرحٍ واحد فقط.
إن الألم الذي أصاب أصبعنا الصغير ليس مجرد إحساس جسدي، بل قوة فلسفية تُعيّد ترتيب أولويات الوجود.
إنه يفضح هشاشتنا مهما تظاهرنا بالقوة، ويكشف أن وعينا ليس واسعاً كما نظن، وليس إدراكنا عميقاً كما نعتقد، بل قابل للاختزال في نقطة وجع صغيرة.
وربما لهذا السبب كان الإنسان -عبر التاريخ- أكثر قدرة على تذكّر الأحزان من الأفراح؛ لأن الألم يترك أثره بالنار، بينما تمر السعادة غالباً كنسمة خفيفة.
ومع ذلك،فإن في هذه الحقيقة قسوةً وحكمة في آنٍ واحد. فكما أن أصبعاً صغيراً يستطيع أن يختطف وعينا؛ فإن لمسة حنان صغيرة قد تُعيّد إلينا العالم كله. وكما أن كلمة قاسية قد تختصر الحياة في وجع، فإن كلمة صادقة قد توسّع الروح من جديد.
الإنسان كائنٌ هشّ إلى درجة أن التفاصيل الصغيرة قادرة على إعادة تشكيل عالمه الداخلي بالكامل.
إن الحكمة لا تكمن في الهروب من الألم، بل في ألّا نسمح له بأن نرى الحياة من خلال عدسته، وألَّا نعطيه الفرصة أن يتمدد داخل جسدنا.
إن جوهر الحكمة هنا، أن ندرك -وسط وجع الأصبع- أن بقية الجسد ما زالت بخير، وأن هذا الألم -مهما كان حجمه- سيأخذ حيزاً من الزمان والمكان، ثم يمضي في طريق زواله وتلاشيه، وأن عيباً في شريك الحياة لا يلغي بهاء شعوره، وجمال ورشاقة حضوره، وأن نتذكر -وسط خيبات الحياة- أن الروح أوسع من جرحها، وأن العالم أكبر من لحظة الألم التي نحياها الآن.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *