السعودية… وملحمةُ الحجِّ التي لا تتوقف

لم يكن الحجُّ يومًا رحلةَ أقدامٍ تمضي إلى المشاعر، بل كان منذ أن أذن إبراهيم عليه السلام في الناس بالحجِّ، نداءً يعبرُ القرونَ ليجتمع عنده اختلافُ الألسنةِ والألوانِ والأعراقِ تحت رايةِ التوحيد. وفي كلِّ عامٍ يتكرر المشهدُ ذاته، لكنَّ وراءه من الجهدِ ما لو حملته الجبالُ لتصدعت، ومن الكلفةِ ما لو قُسِّم على دولٍ لأثقل موازناتها، غير أنَّ المملكة العربية السعودية حملت هذا الشرف العظيم لا بوصفه مشروعًا سياسيًا ولا استثمارًا اقتصاديًا، بل بوصفه أمانةً عقديةً ورسالةً تاريخيةً وخدمةً تتقرب بها إلى الله قبل أن تتحدث عنها المنابر أو تنقلها الشاشات.
إنَّ أعظمَ ما يلفتُ الناظرَ في مواسم الحج ليس فقط تدفق ملايين البشر في مساحةٍ وزمنٍ محدودين، بل ذلك الانسيابُ المدهشُ الذي تتحركُ به الجموعُ كأنَّ وراءها عقلًا واحدًا وقلبًا واحدًا. هنا تدرك أنَّ المسألةَ ليست خيامًا نُصبت، ولا طرقًا عُبدت، ولا قطاراتٍ تسير، بل منظومةٌ هائلةٌ من التخطيطِ والإدارةِ والاستشرافِ والتطويرِ المتراكم، تقف خلفها دولةٌ سخَّرت إمكاناتها المادية والبشرية والتقنية والصحية والأمنية لتجعل ضيوف الرحمن يؤدون نسكهم بأعلى درجات الطمأنينة.
إنَّ دولًا كبرى ترتبكُ من تنظيمِ بطولةٍ رياضيةٍ تستمرُّ أيامًا معدودة، أو معرضٍ عالميٍّ محدود الحضور، بينما المملكةُ تدير في موسم الحج أعظمَ تجمعٍ بشريٍّ دوريٍّ على وجه الأرض، بملايين البشر الذين يفدون من مشارق الأرض ومغاربها، يحمل كلُّ واحدٍ منهم ثقافةً مختلفةً ولسانًا مختلفًا واحتياجاتٍ مختلفة، ثم يعود أكثرهم وهو يلهج بالدعاء لهذه البلاد التي جعلت من خدمة الحرمين شرفًا لا يعلوه شرف.
وحين يتأمل المنصفُ حجمَ ما يُبذل، يدرك أنَّ الأرقامَ وحدها تكاد تُصيب العقلَ بالذهول؛ ملياراتٌ تُنفق على مشاريع التوسعة، وشبكات النقل، والقطارات، والطرق، والمستشفيات، وأنظمة التبريد، ومراكز الطوارئ، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ومنظومات إدارة الحشود، والخدمات الرقمية، ثم يأتي بعد ذلك جيشٌ من البشر؛ رجالُ أمنٍ يسهرون لتنامَ الجموعُ آمنة، وأطباءُ يطوفون بين الحجاج قبل أن يطوفوا بأهلهم، ومتطوعون يبتسمون في وجه التعب كأنهم لم يذوقوه، وموظفون يعملون في حرِّ المشاعر وساعات الزحام وكأنهم يستشعرون أنَّ كلَّ حاجٍّ هو ضيفٌ شخصيٌّ لهم.
ولعلَّ العظمةَ الحقيقيةَ لا تكمنُ في ضخامةِ الجهدِ وحدها، بل في أنَّ هذا الجهدَ لا يتوقف. فالسعودية لا تتعامل مع نجاح الحج على أنه إنجازٌ مكتمل، بل تنظر إلى كلِّ موسمٍ بوصفه خطوةً نحو موسمٍ أكثر تطورًا وكفاءةً وإنسانية. لذلك ترى المراجعةَ المستمرة، والتحديثَ الدائم، واستثمارَ التقنية، وتوسيعَ الطاقة الاستيعابية، وتحسينَ تجربة الحاج عامًا بعد عام، حتى غدا الحجُّ مدرسةً عالميةً في إدارة الحشود والخدمات اللوجستية والتكامل المؤسسي.
ومن الظلمِ الفادح أن يُنظر إلى هذه الجهود بعين السياسة المجردة؛ فالحقيقةُ أنَّ المملكة تحمل عن العالم الإسلامي عبئًا هائلًا لا يكاد يشعر به إلا من اقترب من تفاصيله. إنَّ خدمةَ ملايين البشر، وتأمينَ غذائهم وصحتهم وتنقلهم وسلامتهم، ثم تحملَ كلِّ ما يرافق ذلك من مسؤولياتٍ ومخاطرَ وتحدياتٍ، ليس أمرًا يسيرًا، لكنه شرفٌ اختارت هذه البلاد أن تنهض به، مستندةً بعد توفيق الله إلى قيادةٍ جعلت خدمةَ الحرمين في مقدمة أولوياتها، وإلى شعبٍ تربى على أنَّ الحاجَّ ضيفُ الرحمن قبل أن يكون ضيفَ وطن.
وحين يقف الحاجُّ على صعيد عرفة، أو يطوف بالكعبة، أو يمضي بين المشاعر آمنًا مطمئنًا، فقد لا يرى كلَّ تلك التفاصيل المختبئة خلف المشهد؛ لا يرى آلافَ الاجتماعات التي سبقت قدومه، ولا خططَ الطوارئ، ولا ساعاتِ التدريب، ولا العيونَ التي ظلت يقظةً لتأمين راحته. لكنه يشعر بشيءٍ أعظم؛ يشعر أنَّ وراء هذا التنظيم روحًا صادقةً تريد له أن يؤدي عبادته بكرامةٍ وسكينة.
وهنا تتجلى العبقريةُ السعوديةُ في أبهى صورها؛ إذ لم تجعل من الحج مجرد إدارةِ موسم، بل صناعةَ طمأنينة. والطمأنينةُ لا تُشترى بالمال وحده، بل تُبنى بالإخلاص، وتُدار بالكفاءة، وتُروى بروحِ المسؤوليةِ التي ترى في خدمةِ الحاج عبادةً قبل أن تكون وظيفة.
إنَّ التاريخَ سيظلُّ يذكر أنَّ هذه البلاد المباركة لم تحمل مفاتيحَ الحرمين فحسب، بل حملت معهما قلبَ العالم الإسلامي، وظلت تبذلُ بسخاءٍ وصبرٍ وعزمٍ لتبقى رحلةُ الحجِّ ممكنةً وآمنةً ومهيبةً كما أرادها الله؛ موسمًا تتجلى فيه وحدةُ الأمة، وتظهر فيه قدرةُ الإنسانِ حين يقترن الإيمانُ بالإدارة، والعقيدةُ بالإتقان، والخدمةُ بالشرف.
منصور بن صالح العُمري
مقالات سابقة للكاتب