“قصة من خيال انتهت إلى حقيقة”
كان الملك العظيم جالسًا على عرشه، تحفّ به الهيبة من كل جانب، وتنبعث من وجهه أنوار الرحمة والعدل، حين دعا مزارعي مملكته دعوةً لم يعهدوا مثلها من قبل. وقفوا بين يديه خاشعين، لا يدرون ما الذي ينتظرهم، فإذا بصوته ينحدر عليهم هادئًا كنسيم الفجر، ولكنه يحمل في طياته أمرًا لا يشبه أوامر الملوك، بل يشبه عطاء السماء حين تجود بلا حساب.
قال لهم إنه منح كل واحد منهم أرضًا لا يملك مثلها إلا الملوك، وأمرهم أن يزرعوها بما حدده لهم، وأنه وحده من سيشتري حصادهم يوم يكتمل الزرع ويحين القطاف. لم يترك لهم مجالًا للحيرة، بل علّمهم كيف يحرثون، وكيف يسقون، وكيف يعتنون بزرعهم، وكيف يحمونه من الفساد، وكيف يقدمونه يوم الحصاد طاهرًا نقيًا لا تشوبه شائبة.
ثم وعدهم وعدًا لو سمعته الجبال لخشعت، ولو أدركته البحار لسكنت أمواجها، إذ قال إن الثمن الذي سيدفعه لمن أحسن زرعه ثمنٌ لا يقدر عقل على تصوره، ولا خيال على بلوغ مداه، وإن من نال هذا الثمن فلن يعرف بعده تعبًا ولا فقرًا ولا حاجة، وسيعيش في نعيم لا يزول، وقصور لا تبلى، وسعادة لا يعكر صفوها شيء.
انصرف المزارعون، وكلٌّ يحمل في صدره أملًا يشبه الحلم؛ فمنهم من أخذ الأمر مأخذ الجد، يزرع أرضه كأن قلبه هو الذي ينبت فيها، ومنهم من توانى، ومنهم من خلط زرعه بالشوائب، ومنهم من صفّاه حتى كاد يشبه نور الصباح.
وجاء يوم الحصاد، يوم العرض على الملك، يوم تتكشف فيه الحقائق، ويظهر فيه الفرق بين زرعٍ سُقي بالإخلاص وزرعٍ سُقي بالتهاون، وبين قلبٍ عرف الطريق وقلبٍ ضل عنه.
وما كانت تلك القصة إلا صورةً منقوشة على جدار الحقيقة الكبرى؛ حقيقة الإنسان في هذه الدنيا. فهو المزارع، والدنيا أرضه، والله هو الملك الذي أعطاه بلا ثمن، والعمل الصالح هو الزرع الذي أمره به، والعبادات هي البذور التي وضعها بين يديه، والآخرة هي يوم الحصاد الذي لا ينفع فيه ادعاء ولا يغني فيه تظاهر.
لقد بيّن الله للإنسان كيف يزرع، وكيف يطهّر عمله من شوائب الرياء، وكيف يسقي قلبه بماء الإخلاص، وكيف يحفظ جوارحه من آفات المعصية، ثم وعده وعدًا أعظم من أن يُحدّ؛ وعده بالجنة، ذلك الثمن الذي لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وما الإنسان إلا مزارع في أرض قصيرة العمر، يزرع فيها ما يشاء، ثم يرحل عنها ويترك زرعه وراءه، ليقف يومًا بين يدي ملك الملوك، فينظر في حصاده؛ فإن كان خيرًا فخير، وإن كان غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه.
هكذا تمضي الحياة؛ مزرعةً لمن أراد، وامتحانًا لمن عقل، وبابًا مفتوحًا لمن أراد أن يزرع لنفسه زرعًا لا تذروه الرياح، ولا تأكله الدواب، ولا يفسده الزمن؛ زرعًا يثمر يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
فايز حميد البشري
مقالات سابقة للكاتب