طفولتنا.. براءة البدايات،وبؤس النهايات!

الطفولة أجمل وأعذب البدايات؛ فهي التي تمنحنا -في أول العمر- ضحكاتٍ بلا سبب، ودهشةٍ بلا خوف، وفضولاً دون قيد، وأحلاماً بلا حدود؛ لنخبئها مؤونةً للأيام القاسية، ودرعاً واقياً ضد خطوب الطريق.
وكأن الطفولة غدت لنا مخزناً للضوء الذي سنحتاجه حين تكثر العتمات، وكأنها تعرف أن الحياة ستدفعنا بعيداً عن تلك البدايات، لقد كانت تعلم أن الطريق طويل، وأن القلب سيتعب، وأن الروح ستعطش، وأن النَّصب سينال منا كل مبلغ، وتضربنا الأيام في مقتل.
وكأن تلك الطفولة كانت لنا كالأم الرّؤوم التي تودعنا كل صباح عند عتبة البيت، لكن أحداث الحياة عصفت بصغارها؛ فأخذتهم بعيداً، وفقدوا وجهة بيتهم، بعد أن نفذ كل زادهم.
ولعلَّ من رحمة الله تعالى ولطفه بنا أن خلقنا صغاراً، لهذا؛ لم يكن عبثاً أن نولد صغاراً قبل أن نصير كباراً؛ لقد كانت تلك رحمة عظيمة لنا؛ لأن طريق الحياة طويل، ولا يمكن قطعه بالعقل وحده، بل نحتاج لعبوره إلى قلب طفلٍ قديم يسكن فينا؛ كلما قستْ الأيام قال لنا: لا تقلق، لقد فرحتَ كثيراً من قبل، وسأعلمك كيف تفرح مرةً أخرى.
والطفولة -وفق هذا المنظور- ليست مرحلةً نمرّ بها ثم نتركها وراءنا، بل هي المرحلة التي تتركنا نحن، لكنها تترك في داخلنا شيئاً منها لنعيش به بقية العمر.
وكأن الحياة -وبحكمةٍ خفية بالغة- منحتنا في البداية رصيداً من الدهشة والبراءة، وزاداً من الفرح والطمأنينة، ثم أخذت الحياة تسحبنا تدريجياً نحو عالمٍ أقل براءة، وأكثر قسوة؛ حتى نكتشف متأخرين أننا كنا نعيش طوال الطريق على ما ادخرناه في تلك البدايات.
وهكذا، نبدأ في اكتشاف أننا كبرنا، ولم نعد صغارا؛عندما نستهلك شيئاً من طفولتنا كل يوم، حين نستهلك قدرتنا على الدهشة، وعلى التسامح، وعلى كثرة الجدال، والدخول في معارك جديدة، وعلى الفرح السريع، وعلى النسيان.
ومع مرور السنوات، نكتشف أن ما بقي في داخلنا من ذلك الطفل هو الذي يحدد قدرتنا على الاحتمال، والقدرة على المجاملة.
وهذا ما يفسر قيام الإنسان حينما يتعب في منتصف الطريق، فهو لا يبحث عن إنجازاته، بل يبحث عن نسخته القديمة، عن ذلك الطفل الذي كان يضحك من قلبه، وينام دون قلق، ويحلم دون حسابات، ويطلق العنان لآماله، ويرسم ملامح يومه على صفحة ماء الغدير الذي يشرب منه، ويخط بأنامل قلبه عشقه على رمال قريته، قبل أن تُكبْله السنوات بقيودٍ لم يعرفها في طفولته.
حينها فقط يفهم معنى العبارة:
لم نكن نعيش طفولتنا عبثاً، بل كنا نملأ أنفسنا سراً من ليالي الأنس والبهجة، وندس خِلْسةً في جيوب أيامنا حلوى لحظاتنا الحلوة؛ لنكمل بها بقية الطريق، ونبتهج بها في رحلة الحياة.
ويدرك جيداً أيضاً المعنى الذي ذهب إليه غسـان كنفاني حين قال:
‏”كان علينا أن نقتطع من فرح الطفولة زاداً لبقية الطريق”.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *