الدائرة… وهم التمام

لا تُقاس الأشياء بزواياها، بل بقدرتها على الاحتواء.. نميل من حيث لا نشعر إلى ما يشبهنا في هدوئه، نبحث عن أشكالٍ لا تصدمنا بحوافها، ولا تفاجئنا بانقطاعاتها، فنجد في الدائرة ملاذًا خفيًا… وشكلًا يليق برغبتنا في الانصهار…أو في توازنٍ ندّعيه، ونظنّه يحقق لنا شيئاً من الداخل. فيكون لنا دثارًا، وزُلفى.

فالدائرة ليست مجرد شكلٍ هندسيٍّ مكتمل، بل حكاية إنسانٍ يحاول أن يوازن بين ما يشعر به… وما ينبغي أن يكون عليه، في هذه المساحة لا نتأمل الشكل فحسب، بل ما يسكنه من معانٍ للسعادة، الأخلاق، وذلك السؤال الصامت الذي لا يكفّ عن ملاحقتنا (هل نعيش ما نؤمن به… أم نؤمن بما اعتدنا أن نعيشه؟).

تركنا الأشكال كلّها واخترنا الدائرة… كأننا نبحث عن حياةٍ بلا حواف، أحطنا أنفسنا بها، وجعلناها اللغة الخفية لعلاقاتنا، فصارت لنا دوائر للاهتمام، وللصداقة، وللعزلة حين تضيق بنا رحابة الحياة، وللمحبة حين تتّسع بنا الآمال، وللخوف والرجاء… ولدائرة الحزن حين يثقل القلب، ودائرة الاكتئاب حين تضيق بنا أنفسنا، ودائرة الراحة حين نبحث عن هدنةٍ مع كل شيء… حتى الخير والشر لم يسلما من هذا الاكتفاء المستدير.

لم نكتفِ بأن نعيش داخل الدوائر… بل صرنا في لحظاتٍ كثيرة أسرى لها، نستدير معها حيث دارت، تضيق صدورنا وتتّسع على إيقاعها، كأنها رئةٌ ثالثة، حتى كأننا فقدنا القدرة على كسرها… أو تجاوزها، وبتنا داخل شرنقة، غير أنّ للفراشات موعدًا للخروج، وخروجنا نحن… يحتاج شجاعةً لا نمتلكها دائمًا.

كأننا في عمقنا نهرب من الزوايا… لا لأننا نجهلها، بل لأننا علمنا حدّتها، تلك الحواف التي لا تقبل التدرّج، ولا تعرف إلا النهاياتٍ حين تشتد.

ومع كل ما بلغناه من تقدّم في المجالات العلمية والتقنية لم نتجاوز هذه القناعة، ظلّت الدائرة ملاذنا، نُسبغ عليها تماماً نريده، ونُسقط فيها نقصنا دون اعتراف.

(غير أن الدائرة في الإنسان… لا تكتمل) فما يراه أحدهم خُلُقًا، قد يراه آخر عبثًا أو سوء تقدير… هذا التباين في الفهم لم يُفسد علاقاتٍ فحسب، بل امتدّ ليصنع فوضى في المعرفة ذاتها.

وليس غريبًا أن نقول إن للسعادة دائرة، وللأخلاق دائرة أخرى… غير أن السؤال الذي يتسلّل في صمت أيُّهما يحتوي الآخر؟

لا يستقيم (في ميزان العقل) أن تُطلب السعادة خارج إطار الأخلاق، فالأخلاق ليست خيارًا تجميليًا، بل معيارٌ تُقاس به إنسانيتنا، وبوابة العبور إلى القبول والمحبة في محيطنا، وهي الأصل الذي إن استقام، استقامت معه بقية الدوائر، فلا سعادة تُبنى على فراغ، ولا راحة تدوم خارج سياقٍ أخلاقي متين.

ومن هذا نصل إلى دائرةٍ أعمق… هي دائرة التأمّل حيث لا تُفصل السعادة عن الأخلاق، ولا تُختزل الأخلاق في واجبٍ جامد، بل تُرى الأشياء كما ينبغي أن تكون انسجامًا بين ما نحياه…وما نؤمن به.

وعندئذ تتلاشى الحدود بين الفكر والسلوك، فلا يعود الإنسان ممزقًا بين ما يقول وما يفعل، بل يصبح دائرةً واحدة… مكتملة المعنى.

وفي نهاية الأمر… لا تكون الدائرة كما رسمناها، بل كما عشناها… ليست كل دائرةٍ اكتمالًا، ولا كل حافةٍ نقصًا، فبعض الحواف تُعلّمنا كيف نرى، وكيف نختار، وكيف نكون.

وحين نُدرك أن الأخلاق ليست قيدًا على السعادة، بل هي ظلّها إذا استقامت، يتغيّر شكل الدائرة في داخلنا، فلا نعود نبحث عن حياةٍ بلا زوايا، بل عن معنى يجعل لكل زاويةٍ حكمة، ولكل امتدادٍ غاية.

وهنا… يهدأ الصراع بين ما نريد وما يجب، ونكتشف أن الدائرة الحقيقية ليست تلك التي تحيط بنا، بل تلك التي تنطلق منّا… وتعود إلينا أكثر صفاءً…

فإن اتسعت أخلاقك، لم تعد بحاجةٍ لأن تُسمّي ما تشعر به بل دعه يستقر في داخلك، فتفهم السعادة على نحوٍ مختلف، لا كحالةٍ عابرة، بل كمعنى يُعاش… حينها ستتجاوز ذاتك، وتنصرف إلى غايةٍ أوسع، تضيف بها قيمةً لحياتك، ولحياة من حولك.

وحين يستقر… تُدرك أنك ابتعدت عن الإرهاق، وتخفّفت من التيه، وتصالحت مع ما يعترضك من صدامٍ أو سوء فهم.. وتلين فيك القدرة على التكيّف، وتجد في التحديات طريقًا، لا عائقًا.

تُعيد النظر… تُحسن الفهم… وتختار التفاؤل، وتتدرّب على الامتنان، فلا تعود الدائرة غاية، بل تصبح رؤية… تتّسع للحياة كلّها.

 

مقالات سابقة للكاتب

6 تعليق على “الدائرة… وهم التمام

حسين النايف

هي دوائر تعتمد على كثير من المفاهيم فإماّ ان تضيق وإما أن تتسع وذلك ضمن قيود أنت تتحكم بها وتحمل الكثير من المعايير الأخلاقية والاجتماعية..إلى آخره.
التأقلم ضمن الإطار أحيانا يأتي أُكله ولكن لابد من الخروج عن المألوف أحيانا .
أرجو لك التوفيق دكتورتنا المحترم لتخط أناملك مزيدا من الإبداع .

د خلدون

الكاتب مبدع ومتميز في أسلوبه وفكره
أرجو له النجاح والتميز الدائم وأن ينفع به

ياسر شاولي

“طرحٌ عميق وأسلوب راقٍ، حوّل فكرة بسيطة إلى معنى إنساني كبير. نص يستحق التأمل.”
مشالله تبارك الله الرحمن
الدكتور عبدالله ذو خلق عالي ورفيع
اسال الله لك ان يرزق السعاده والطمانينه وراحه البال ويجعلك دائما متالق ومبدع

طلال الهندي

بسم الله ماشاء الله مقال في الصميم يا دكتور عبدالله بأسلوب راقي و سهل. ننتظر المزيد و المفيد بارك الله فيك

عمر بن صالح بن محمد باسودان

ما شاء الله تبارك الله
عرفتك رجل ذو اخلاق عالية وتعامل واسلوب راقي
مقال جميل قرأته وتأملت نصوصه يستحق الاطلاع والتأمل –
مقاااال إبـــــــداع .
{ لا تعود الدائرة غاية ، بل تصبح رؤية ,,,, تتّسع للحياة كلّها }
وفقك الله لما تحب وترضى
اخوكم / المستشار / عمر بن صالح باسودان (مكتب اساس حوكمة الاعمال للاستشارات)
تحياتي

محمد عبدالكافي

مقال رائع يا دكتور . بارك الله فيك ونفع الله بك وبعلمك يا دكتور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *