أكتبُ به أمري، وأرسمُ به أملي، وأصنع به مستقبلي ومستقبل جيلي، والعلم في أثره، والنور في خطّه، فالفخر في أثرٍ يبقى إلى الأبد، في عجزه ضعف قد يورث الكسل.
فالقلمُ ليس مجرد أداة تخطُّ بها يمينك، بل هو أعمق من ذلك بكثير؛ فهو ترجمان لفكر، ومهارة لكاتب، ويحدد قدرة الإنسان على التحليل والتركيب والتخيل وصناعة المعرفة وإدارتها التي تؤسّس لفكر إنساني وعلمٍ رشيد يؤثر في الإنسانية وحضارتها.
فالقلمُ السيَّال تنساب المعارف من خلاله؛ لأنه أدرك قيمة المعرفة فهضم بطون الكتب وأمهاتها بفهم صحيح، وتفسيرٍ واضح للمعارف وتحليلها؛ مما جعلها تنعكس على قلمه وفكره بكل وضوح.
فالقلمُ السيّال أنيقٌ في كتاباته وبيانها وعرضها، لا يكتبُ إلا في كل علمٍ نافع، ولا يناقشُ إلا فكرًا راقيًا، ولا يتواصل إلا مع مَن حفظ العلم من بطون الكتب ومتونها، فعندما يناقش يسأل ويستمع ويحلّل كلَّ فكرٍ بنّاء، ويتجاوز كل فكر أحادي، منفتح على كل فنّ، يأخذ منه ما يزيد من لغته وفهمه ويوظفها في مكانها، في علمه بحر يحتوي الجواهر والدرر، لا يصل إليها إلا كل محترف وهاوٍ للمعرفة الإنسانية ويعشقها.
القلمُ السيّال لن يموت ويجف يراعه ويقل مداده وخلفه إنسان قارئ يهوى المعرفة ويألفها من بطون الكتب، فقد وجد ضالته ومراده، فتراه يبحث وينقّب عن كل معرفة مفيدة وفن جميل يرتقي عن كل شائبة قد توقعه في مزالق الخلاف، بل ينتصر للمعرفة وعلومها وآدابها في روحه ينساب كل فن جميل يلتصق بالإنسان ولا ينفك منه إلا بعد أن ينهي مراده وفهمه.
القلمُ السيّال رشيقٌ في طرحه، أمينٌ في نقله، حريصٌ في تدوينه، ينتقي المعرفة التي تهذّب السلوك، وتبني القيم، وتحرص على تطوير العلوم وتهذيبها.
القلمُ السيّال يعرف حدوده والمساحة التي يتناولها في طرحه، ويناقش الفكرة بأمانة، ويعرضها بصدق، لا يتجاوز في مناقشاته حدود المنطق وأساليبه، يحلل المعرفة ويناقش الأفكار ويبنيها، في طرحه هدف، وفي فكره رؤية وتطوير للمعارف وبنائها.
لم يكن القلمُ السيّال إلا جزءًا من رحلة إنسان يعلم يقينًا أن المعرفة وحفظها وبناءها تتطلب الفهم الصحيح والتحليل العميق؛ حتى يؤسس لمعرفة صحيحة، ومنطق سليم، وحجاج بيِّنة واضحة، لا يتجاوز أي فكرة حتى يشبعها من التحليل؛ لكي يكون حكمه منطقيًا ومبنيًا أسس علمية.
القلمُ السيّال لا ينتصر لذاته، إنما الحقيقة هي التي تحكم بناءه المعرفي والقيمي، ففي بيانه وضوح للحقائق والمفاهيم التي تجعل القارئ يندمج مع النص المكتوب حتى يصل للحقيقة الغائبة.
فالقلمُ السيّال تخطُّه يمينٌ تبحث عن الحقيقة وتنتصر لها، فلم يجفّ حبره يومًا ما؛ لأن مداده القراءة التي تزيد من بحر الكلمات والمفردات المتنوعة التي تجعل القارئ لا يشعر بملل أو انقطاع في تسلسل الأفكار ونشر الحقائق التي تنساب فيها الكلمات بين الأسطر في تناغمٍ عجيبٍ وتناسقٍ بين مفرداتها.
لم يعجز القلمُ السيّال عن البناء المعرفي الذي يُبنى على الحقائق والمفاهيم التي تؤسّس لنصٍّ أدبي مكتوب، يتميز بجميل فكره، وتناسق كلماته، وحسن طرحه؛ مما يجعل القارئ يندمج مع النص المكتوب، ليؤسس لفهم عميق.
القلمُ السيّال روحٌ متوثبة ومتطلعة لصناعة المعرفة وتطويرها في بناء معرفي متفرّد بحسن التنظيم وتسلسله وارتباط القارئ بالنص دون مغادرته، يتولّد منه فهمٌ صحيح وأحكامٌ قيمية حقيقية تزيد من فهم القارئ لرسالة الكاتب وهدفه الذي يريد إيصاله، وبالتالي تتحقق قيمة الكتابة.
عندما نمتطي القلم للتدوين، علينا أن نتحرّى الدقة في النقل والأمانة في المعلومة والنفع لمن يقرأ النص وإبراز محاسنه ومفاهيمه الواضحة وقيمه التي تؤسّس لسلوك أخلاقي راقٍ يعزز مهارة الفهم وتقويم السلوك.
فالكتابة أدبٌ سامٍ وسلوكٌ جميلٌ يؤصّل لقيمة، وينشر مبدأ، ويرتقي بمنْ يقرأ، ويتحاور معه بأسلوب راقٍ يجعل للقراءة معنى ومبدأً للوصول إلى الحقيقة التي يتبنّاها الكاتب لإيصال رسالته بمنهجٍ سهلٍ ورفيعٍ وممتع.
أ.د. محمد بن حارب الدلبحي
عضو هيئة التدريس بجامعة شقراء
مقالات سابقة للكاتب