ليس لونًا واحدًا

من يقرأ ما بين السطور في فصول الحياة، والأجزاء المختلفة التي تتكوّن منها، سيدرك أن الأشياء لم تُخلق عبثًا، وأن لكل عنصر فيها دورًا يؤديه ضمن منظومة متوازنة.

قد تتشابه التفاصيل أحيانًا، لكنها لا تتطابق تمامًا، إذ يبقى ذلك الاختلاف وإن كان صغيراً هو ما يمنح كل شيء هويته الخاصة، ويجعله مميزًا عن غيره.

فالحياة لا تقوم على النمط الواحد، بل على التنوع المنظّم، والانسجام بين المختلفين، حين يكون الاختلاف جمالًا لا عيبًا.

فالألوان مثلًا ليست مجرد مشهد تراه العين، بل منظومة دقيقة ترتبط بالإدراك والتأثير النفسي والجمالي، ورغم أن العالم يرى ملايين الدرجات اللونية، إلا أن أصلها يعود إلى ألوان أساسية محدودة، ومنها تتكوّن بقية الألوان بتناسق مذهل.

ولهذا أصبحت الألوان جزءًا من الهوية والتأثير وصناعة الانطباع، فبعض العلامات التجارية تُعرف من لونها قبل اسمها، وبعض الأماكن تمنح الإنسان شعورًا بالهدوء أو التوتر بسبب ألوانها، وكأن للألوان لغة خفية تتحدث مع الإنسان دون كلمات.

ولعل الأجمل أن التناسق اللوني نفسه لا يقوم على لون واحد، بل على اختلاف محسوب، فهناك الألوان الدافئة والباردة، والمتجاورة والمتقابلة، ورغم تباينها فإنها حين توضع في موضعها الصحيح تصنع مشهدًا متوازنًا ومريحًا للعين، وكأن الحياة كلها تخبرنا أن الجمال الحقيقي لا يولد من التشابه التام، بل من الانسجام بين المختلفين.

وهذا القانون ذاته نراه في البستان… فهو لا يتكوّن من عنصر واحد، بل من منظومة حياة متآلفة، وأشجار مثمرة، ونباتات وأزهار شتّى، وتربة خصبة، وماء، وهواء، وضوء شمس، وممرات ظلال، لكل عنصر منها دور يؤديه، ولو غاب أحدها لاختلّ التوازن وضعف الإثمار، فليست القضية في كثرة المكوّنات، بل في تناغمها، ومعرفة كل عنصر لمكانه ومهمته في دورة الحياة.

وكذلك الإنسان… فليس من الحكمة أن نطلب من الجميع أن يسلكوا الطريق ذاته، أو أن يحملوا الشغف نفسه، أو أن يكرروا التجربة ذاتها، فالاختلاف بين البشر ليس مشكلة تحتاج إلى علاج، بل سنة حياة تحفظ التوازن، وتصنع الاكتمال.

أيامًا معدودات تفصل كثيرًا من الأبناء عن مرحلة مهمة من حياتهم، وهي التخرج من التعليم الأساسي أو الجامعي، ليبدأ السؤال المعتاد (إلى أين يتجه؟، وأي طريق يسلك؟، وأي باب يطرق؟)

وهنا يبدأ بعض الآباء في رسم الطرق لأبنائهم وفق أحلامهم هم، لا وفق قدرات الأبناء وميولهم،

بينما الحقيقة أن الإنسان غالبًا يُبدع فيما يميل إليه، ويمنح أفضل ما لديه حين يشعر أن الطريق يشبهه.

ليست المشكلة أن يختلف الأبناء… بل أن نحاول جعلهم متشابهين، فنخسر الأشياء الجميلة فيهم بمحاولات التشكيل القسري، لأن الحياة لا تبحث عن النسخ المكررة… بل عن الاكتمال.

فالثقافات (كما أشار جيمس تريفيل في كتابه: لماذا العلم؟) ليست قالبًا ثابتًا، بل تتغير بتغير الظروف والأحوال، فهناك ثقافة تكتفي بالموروث، وتعيش على إعادة ما قيل، دون سعي حقيقي للتجديد أو الإبداع، وكأن الحاضر مجرد امتداد صامت للماضي، وفي المقابل توجد ثقافة تؤمن بالفعل والاختيار، وترى في الوعي والتجديد وفهم المتغيرات طريقًا لصناعة المستقبل، لا مجرد العيش فيه.

فالحياة لا تتقدم بالعقول المتشابهة، بل بالأفكار المتنوعة، والقدرات المختلفة، والطاقات التي تجد المساحة لتعبّر عن نفسها.

دع ابنك يختار، وشاركه الرأي والخبرة، دون ضغط أو إكراه، ما دام اختياره يقع في دائرة العلم النافع، والعمل ذي الأثر، الذي يضيف للحياة قيمة ومعنى، ويخدم الإنسانية بنبل.

قد يحتاج الأبناء إلى المشورة أكثر من الأوامر، وإلى الثقة أكثر من كثرة النصح، فلا تبخلوا بالمشورة، ولا تُسرفوا في التوجيه، اتركه يتعلم السباحة بنفسه، لكن لا تبتعد كثيرًا…راقبه بحب، وأبقِ طوق النجاة في يدك.

اكتبوا معهم نصوصهم بصوتهم الواضح، فالغاية أن يكونوا لبنة بناء لأوطانهم، لا نسخًا مكررة من الآخرين، التقطوا أرواحهم بجمالها، وحافظوا على اختلافهم، مع شيء من صقل الإيقاع والتناغم… حتى لا تخسروا الأشياء الجميلة فيهم.

ليس مطلوبًا أن يكون الجميع نسخة واحدة، فالحياة لا تحتاج إلى نسخ متطابقة بقدر حاجتها إلى تنوع متوازن.

أعطوا أبناءكم مساحة للاختيار، وفرصة لاتخاذ القرار، فبعض الطاقات لا تزهر إلا حين تعمل فيما تحب، وبعض الإبداع لا يولد إلا في المساحة التي يشعر فيها الإنسان أنه اختار طريقه بنفسه.

فكما لا يكتمل البستان بلون واحد، ولا تقوم اللوحة على درجة واحدة، كذلك الحياة، بما فيها من السمات الإنسانية… لا تزدهر إلا بتباين أبنائها، واختلاف مواهبهم، وتناسق أدوارهم، فمراعاة تنوع النفوس، واختلاف الطبائع البشرية، والاعتبار لها، مما ندب إليه الدين، إذ إن الاستنساخ آفة تُضعف التنوع، وتفقد الحياة شيئًا من حيويتها وبريقها.

 

مقالات سابقة للكاتب

12 تعليق على “ليس لونًا واحدًا

باسم

احسنت مقال اكثر من رائع بوركت وبوركت جهودكم وما احسن كتابتك ماشالله تبارك الرحمن

طلال الهندي

اتفق معك يا دكتور عبدالله. طرح الموضوع أتى في الوقت المناسب. قريبا يتخرج أبناء الوطن من مرحلة الثانوية و يواصلون بعدها التعليم العالي. بعد إسداء النصائح لهم دعهم يختاروا المجالات التي يبدعون فيها كل حسب طاقته وحبه للتخصص الذي يمكن التفوق فيه.

أنور يوسف ابو الجدايل

احسنت التوجيه بآرك الله فيك

ياسر شاولي

طرح يلامس الفكر قبل القلب، ويترك أثرًا لا يُنسى يفيض حكمةً ووعيًا، ويأخذ القارئ في رحلة بين الجمال والمعنى… ابداع جميل اسال الله لك التوفيق دكتور عبدالله

ياسر شاولي

طرح يلامس الفكر قبل القلب، ويترك أثرًا لا يُنسى يفيض حكمةً ووعيًا، ويأخذ القارئ في رحلة بين الجمال والمعنى… ابداع جميل اسال الله لك التوفيق دكتور عبد الله

عصام نواوي

ما شاء الله
أبدعت أخوي الدكتور ابو عمر

Talal Abdullah H. Bakhsh

أخي د. عبد الله لا أخفيك أبدا اعجابي بقلمك وبكرك النير ، وقد قرأت مقالك الكريم بإعجاب حقيقي، واستمتعت كثيرًا بهذا الربط الجميل بين تنوع الألوان، وتناسق البستان، واختلاف الطبائع البشرية، ثم إسقاط ذلك على تربية الأبناء واختياراتهم في الحياة.
من أجمل ما في المقال أنه لم يطرح الاختلاف بوصفه مشكلة تحتاج إلى علاج، بل بوصفه جزءًا من جمال الحياة وتوازنها، وهي فكرة عميقة تلامس الواقع فعلًا، خاصة في زمن يحاول أحيانًا دفع الجميع نحو القالب ذاته.
كما أعجبني الهدوء في الطرح، والسلاسة اللغوية، والتنقل المتدرج بين الفكرة والتأمل دون تكلف، حتى بدا المقال وكأنه رسالة إنسانية قبل أن يكون مجرد نص أدبي.
شكرًا لهذا الجمال الفكري واللغوي، ودمت متألقًا بقلمك الجميل يا صديقي العزيز.
دمت متألقا وجميلا.

حسين النايف

احسنت دكتورنا الفاضل نصيحة بمكانها وبرغم تعدد الألوان إلا أن الهدف سامي

عبدالرحمن طالب

سلمت يداك د. عبدالله
اجدت وافدت

أبو فيصل

نص عميق يلامس جوهر التربية والحياة معًا، ويعيد التذكير بأن الاختلاف ليس خللًا بل ثراء، وأن أجمل ما في البشر تفرّدهم لا تشابههم.
أبدعت في الربط بين الألوان والبساتين والإنسان، حتى بدا المعنى وكأنه لوحة متكاملة تقول لنا بلطف: إن التناغم لا يعني التطابق.

لفتني كثيرًا حديثك عن الأبناء، فبعض الطاقات تُطفأ حين تُدفع إلى طرق لا تشبهها، بينما تزهر حين تجد من يفهمها ويمنحها مساحة للنمو.

طرح راقٍ، ولغة ممتعة، ورسالة تربوية وفكرية تستحق القراءة والتأمل. (كناري)

فيصل عمر

مقال موفق إلى حدّ كبير يمثل وجهة نظر شريحة واحدة ولكن هل كلّ الأبناء يملكون أدوات التفكير والقدرة على الاختيار حتى في ظلّ توجيه الآباء ،وهل كان الآباء معهم طوال سنين عمرهم أم فقط الآن يؤيد أن يكون موجها فقط بعدما تركوهم زمنا فريسة المؤثرات المختلفة التي ستكون حتما عاملاً رئيسا في اختياره

فيصل عمر

مقال موفق إلى حدّ كبير يمثل وجهة نظر شريحة واحدة ولكن هل كلّ الأبناء يملكون أدوات التفكير والقدرة على الاختيار حتى في ظلّ توجيه الآباء ،وهل كان الآباء معهم طوال سنين عمرهم أم فقط الآن يريد أن يكون موجها فقط بعدما تركوهم زمنا فريسة المؤثرات المختلفة التي ستكون حتما عاملاً رئيسا في اختياره

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *