الزكاة التي لا تنتهي؟

كيف تتحول أموال الزكاة إلى دورة اقتصادية مستدامة داخل المجتمع؟

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 60)

المشكلة ليست أن أموال الزكاة قليلة… بل أن كثيرًا منها يخرج من يد المزكّي، ثم يختفي من الدورة الاقتصادية خلال أيام قليلة، وكأن أثره يبدأ وينتهي عند لحظة الاستهلاك.

ففي كل عام تُصرف مليارات الريالات في الزكوات والصدقات، ويستفيد منها آلاف المحتاجين.

ففي كل عام تُصرف مليارات الريالات في الزكوات والصدقات، ويستفيد منها آلاف المحتاجين، ومع ذلك يعود كثير منهم بعد أشهر قليلة إلى دائرة الحاجة من جديد؛ لأن المال الذي وصل إليهم كان مالًا استهلاكيًا يُنفق ثم ينتهي أثره، لا مالًا منتجًا يخلق دخلًا مستمرًا.

ومن هنا يبرز سؤال مهم:

هل يمكن للزكاة أن تتحول من إعانة مؤقتة إلى اقتصاد اجتماعي مستدام؟

إننا اعتدنا في كثير من الأحيان على مفهوم “الدعم المباشر”، بحيث يُمنح المحتاج مبلغًا ماليًا لتغطية احتياجاته الآنية، وهذا النوع من العطاء – رغم أهميته الإنسانية – يبقى محدود الأثر زمنيًا، لأنه يعالج نتيجة الفقر لا أسبابه.

لكن التصور الإسلامي للزكاة أعمق من مجرد الإطعام المؤقت؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يوجّه المحتاج دائمًا إلى انتظار العطاء، بل وجّهه أحيانًا إلى العمل والإنتاج. ففي الحديث المشهور، لم يُعطَ السائل دراهم يستهلكها ثم يعود للسؤال، بل وُجّه إلى الاحتطاب بفأس يعمل به ويستغني من خلاله.

وهنا تتجلى فكرة اقتصادية بالغة العمق:

الإسلام لا يريد للفقير أن يبقى مستهلكًا دائمًا… بل يريد له أن يتحول إلى عنصر منتج داخل المجتمع.

ولو تأملنا واقع المجتمع السعودي اليوم، لوجدنا أن كثيرًا من أصحاب الدخل المحدود لا تنقصهم المهارة أو الرغبة في العمل، بل تنقصهم “البداية”. فكم من شاب يستطيع إدارة مشروع صغير في:

  • خدمات التوصيل،
  • أو المقاهي المتنقلة،
  • أو التجارة الإلكترونية،
  • أو التطبيقات الرقمية،
  • أو الصيانة المنزلية،

لكنه لا يملك رأس المال الأولي؟

ومن هنا يمكن أن تظهر نماذج أكثر استدامة في إدارة أموال الزكاة، تقوم على تمويل مشاريع صغيرة مدروسة للفئات القادرة على العمل، بحيث يُمنح المستفيد رأس مال أولي لتشغيل مشروعه، ثم يُعاد هذا المبلغ – بعد استقرار المشروع وتحقيق دخل مناسب – ليُموَّل به مستفيد آخر، فتتحول الزكاة من مبلغ يُستهلك مرة واحدة إلى دورة نفع مستمرة داخل المجتمع.

وبهذا الأسلوب، لا تنتهي الزكاة عند المستفيد الأول، بل تبدأ منه، وتمنحه فرصة ليعيش بكرامة أعوامًا، ثم يتحول هو نفسه إلى باب رزق لغيره.

فالمال هنا لا يتحرك بوصفه “إعانة عابرة”، بل بوصفه أداة لإنتاج دخل جديد، ثم الانتقال إلى مستفيد آخر، ثم آخر، حتى يتحول المجتمع تدريجيًا من بيئة تستهلك المساعدات إلى بيئة تُعيد إنتاج الفرص.

وقد ظهرت في عدد من الدول الإسلامية تجارب قريبة من هذا التصور، فيما يُعرف بمفهوم “الزكاة الإنتاجية”، حيث اتجهت بعض المؤسسات في ماليزيا إلى تمويل أدوات العمل والمشاريع الصغيرة بدل الاقتصار على المساعدات النقدية المباشرة، بهدف تحويل المستفيد إلى شخص قادر على توليد دخل مستمر.

كما ظهرت في إندونيسيا برامج مشابهة دعمت مشاريع منزلية صغيرة، وبعض الأنشطة التجارية البسيطة للفقراء، ضمن توجه يربط الزكاة بالتنمية الاقتصادية لا بالإعانة المؤقتة فقط.

وفي بعض التجارب المحدودة، جرت محاولات لتطبيق نموذج أكثر استدامة، يقوم على تمويل مشاريع صغيرة للفقراء المسلمين في مجالات مثل الصيد، وتربية المواشي، وبعض المشاريع الخدمية، مع الاعتماد على صيغ تمويل شرعية تحفظ كرامة المستفيد، بحيث يُعاد تدوير رأس المال بعد استقرار المشروع لينتقل إلى مستفيد جديد، فتستمر الزكاة في أداء دورها الاجتماعي والاقتصادي لسنوات طويلة.

وكانت الفكرة تقوم على تحويل المحتاج من مستهلك للمساعدة إلى شريك في دورة الإنتاج داخل مجتمعه.

إن المجتمعات لا تنهض بكثرة الأموال التي تُوزَّع فحسب، بل بكثرة الناس الذين يتحولون من محتاجين إلى منتجين.

فالمال حين يُستهلك ينتهي أثره سريعًا، أما حين يتحول إلى مشروع منتج، فإنه يعيد إنتاج نفسه داخل المجتمع مرة بعد أخرى.

وربما تكون أعظم الزكوات أثرًا تلك التي تخلق دخلًا مستمرًا بدل منفعة مؤقتة، وتمنحه فرصة ليعيش بكرامة أعوامًا، ثم يفتح الباب بعدها لغيره.

فالزكاة التي تُستهلك قد تنتهي، أما الزكاة التي تُنتج، فقد لا ينتهي أثرها أبدًا؛ لأن المال حين يتحول إلى فرصة، فإنه لا يُغيّر حياة فرد واحد فقط، بل يفتح باب الاكتفاء لمجتمع كامل.

د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش

باحث في المصرفية الإسلامية والتمويل

الأربعاء 26 ذو القعدة 1447هـ

مقالات سابقة للكاتب

2 تعليق على “الزكاة التي لا تنتهي؟

Abdulwahab Al zubaidi

ماشاءالله تبارك الرحمن
فكرة رائعة لتدوير مال الزكاة
جزيت خيراً

ابو عبدالملك

بسم الله ماشاء الله ، طرح رائع ومنظور مطور لديمومة الزكوات والصدقات لتصبح عجلة لا تتوقف بادائها وإنفاقها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *