حرامية العيد!

يأتي العيد لا بوصفه تاريخاً في التقويم، بل كحالةٍ وجودية تتجدّد فيها الروح، وكأن الزمن نفسه يخلع ثوبه القديم، ويرتدي براءة اللحظة الأولى، ويتوشح الدهشة في أبهى صورها.
العيد ببهجته معنى يُضاف إلى إنسانيتنا؛ إذ تتراجع فيه قسوة الأيام خطوة، وتفسح المجال لشيء أكثر صفاءً،شيء يشبه الطمأنينة حين تعود إلى قلبٍ أنهكه الانتظار.
ففي العيد، نُدرك أن السعادة ليست تراكماً للأحداث، بل قدرة على رؤية الجمال في أبسط التفاصيل، في صوت التكبيرات، وفي دفء اللقاءات، في رقة نسيم صباحه الذي يصافح أرواحنا ونحن في طريقنا إلى مصلّى العيد، ففي صباح العيد تشعر أن روحك وكأنها عروس تُزَفّ إلى عريسها.
إننا نرى بهجة العيد في عيون الأطفال التي تعكس دهشة الوجود كما لو أنها تراه لأول مرة، كما نراها في نفوس الكبار الذين يَودوُّن الإمساك بهذه اللحظات المُبْهِجَة.
إن العيد في جوهره تمرين على النقاء؛ إذ يُعيّد ترتيب علاقتنا بالعالم؛ فنتخفف من أثقال الضغائن، ونمنح الصفح مساحةً أوسع من الذاكرة،وكأن الفرح هنا ليس ترفاً عاطفياً، بل ضرورة أخلاقية تُذكّرنا بأن الإنسان لا يكتمل إلا حين يشارك الآخرين بهجته، ويتقاسم مع الناس حَلّواه، ويمنحهم بِضْعَاً من سَلّواه.
وحتى نصون هذا العيد وبهجتنا به، يمكننا الانتباه والحذر من حرامية العيد الذين يعملون على إفساد فرحته، وتكدير صفو لحظاته.
إن حرامية العيد يعملون على اختلاس الفرح من معناه، حين يتحوّل هذا الزمن المقدّس إلى فرصة للانتهاك بدل الامتنان.
وللأسف،في لحظةٍ يُفترض أن تتطهّر فيها النفوس؛ينكشف بعض البشر كمرآةٍ لعطشٍ داخلي لا يرويه شيء،حتى بهجة الآخرين.
فهؤلاء يعملون على استجداء الحزن، واجترار الذكريات المؤلمة، ويتحركون بيننا مثل كائنات غريبة الأطوار يقتاتون على الانتقادات، والأسئلة الفضولية.
إن مثل هذه السلوكيات ليست كلمات عابرة، بل هي اقتحامٌ خفيّ لخصوصية الروح في لحظةٍ تبحث فيها عن صفائها.
إنه حين يُسَأل الإنسان عمّا يملكه وينقصه؛ تتحوّل فرحته إلى محكمة،وبهجته إلى دفاعٍ صامت عن ذاته.
إنها تسرق فرحة العيد لا لأنها تُنقص منه، بل لأنها تعيد توجيه الوعي من الامتنان إلى النقص، ومن الحضور إلى التبرير.
والمتأمل لعمق التجربة لهؤلاء الحرامية؛ يتبيّن أن هذه الأسئلة الفضولية،لا تبحث عن إجابة، بل تمارس سلطةً ناعمة تُربك التوازن الداخلي للفرح في داخلنا.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *