عواصفنا الداخلية ضيفٌ عابر يقضي بعض وقته، ثم يمضي إلى حال سبيله دون أن ينال من جسارتنا النفسية إلَّا بقدرٍ محدود، وهذا القدر مصيره الزوال والتلاشي إذا أجدنا كيفية التعامل مع تلك العواصف التي عصفت بنا. وهذا لا يتأتى لنا إلَّا إذا أتقنا فنّ التقبُّل.
ففي حضرة التقبُّل، لا نقف كضعفاء أمام عواصفنا الداخلية، بل كعارفين بطبيعتها؛ ندرك أن ما يعصف بنا ليس نحن، بل حالات تمرّ عبرنا.
إن التقبُّل ليس استسلاماً، بل شكلٌ راقٍ من الشجاعة، أن تفتح بابك لموجة الريح دون أن تسمح لها باقتلاع جذورك. والعاطفة الإنسانية -في جوهرها- موجة بيولوجية نفسية.
فحين يغمرنا القلق، أو الحزن، أو الغضب؛ ينشط ما يُعرف في علم النفس بـ (استجابة القتال، أو الهروب)، حيث يفرز الدماغ هرمونات مثل، الكورتيزول والأدرينالين؛ فتتأهب أجسادنا وكأن خطراً حقيقياً يهدد بقاءنا.
غير أن المفارقة تكمن في أن كثيراً من هذه الأخطار ليست إلا أفكاراً أو تأويلات ذهنية.
من هنا يبدأ الصراع، ليس بيننا وبين الواقع، بل بيننا وبين قراءتنا له. فعندما نقاوم العاطفة؛ فإننا -دون وعي- نغذّيها. وهذه الظاهرة تُفسَّر علمياً بما يُعرف بـ (التجنُّب التجريبي) حيث يحاول الإنسان الهروب من مشاعره غير المريحة؛ فيتسع أثرها بدل أن ينحسر.
وهكذا تغدو كأنك تحاول إخماد النار بالهواء؛ فتزداد اشتعالاً.
وإذا نظرنا إلى التقبّل؛فنجد أنه يغيّر المعادلة، فهو لا يُطفئ العاطفة مباشرة، لكنه يسحب منها الوقود.
إن في مدارس العلاج النفسي الحديثة، خاصة العلاج بالقبول والالتزام، يُنظر إلى التقبُّل كمهارة أساسية للاتزان النفسي، حيث يرتكز على فكرة مفادها أنه ليس بالضرورة أن تتخلّص من الألم، بل أن تغيّر علاقتك به،وأن ترى الفكرة كفكرة، لا كحقيقة مطلقة، فوأن تعايش الشعور دون أن تذوب فيه.
هذه المسافة الدقيقة بين “أنا أشعر” و”أنا هذا الشعور” هي الفارق بين الغرق والنجاة.
إن فنّ التقبُّل يشبه أن تجلس على ضفة نهر،تراقب أوراقاً تتدفق مع التيار، وكل ورقة هي فكرة، أو شعور، إن حاولت الإمساك بكل ورقة؛ ستنزلق إلى الماء، أما إن اكتفيت بالملاحظة؛ فإن التيار -بطبيعته- كفيل بالمضي.
وهنا يتجلى مفهوم اليقظة الذهنية، حيث يتعلّم الإنسان أن يكون حاضراً مع تجربته دون حكم أو مقاومة.
فالتقبُّل لا يُلغي الفعل، بل يُنقّيه، فحين تتقبّل خوفك، لا يعني أنك لن تتصرف، بل أنك ستتصرف بوعي لا بدافع الهروب، وحين تتقبّل حزنك، لا يعني أنك ستبقى فيه، بل أنك لن تضيف إليه طبقة من الصراع تزيده ثِقَلاً.
إن العواصف النفسية -مهما اشتدّت- لها عمرٌ زمني، حيث تشير الدراسات إلى أن الموجة العاطفية إذا لم تُغذَّ بالمقاومة؛ تميل إلى الانخفاض خلال فترة زمنية قصيرة، لكن ما يطيل عمرها هو التفكير المتكرر، أو ما يُعرف بـ “الاجترار الفكري” حيث يعيد العقل إنتاج الشعور ذاته مراراً. والتقبّل يقطع هذه سيناريو هذه الحلقة، ويسمح للموجة أن ترتفع، ثم تنخفض، دون تدخل يُربك مسارها الطبيعي.
وهذا يعني أن التقبُّل ليس فناً لإلغاء الألم، بل لتوسيعه داخل مساحة أرحب من الوعي، وأن تصبح أكبر من مشاعرك، لا بأن تقهرها، بل أن تحتويها، وأن تدرك أن العاصفة -مهما علا صخبها- لا تستطيع ابتلاع السماء.
وهكذا يمكن لنا أن نتعلَّم في حضرة التقبّل أن نكون سماءً، لا مجرد سحابة عابرة.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي