ثلاثية الجمال!

إن الجمال الحقيقي يتجاوز جمال الوجوه وجمال الأشياء إلى جمال المواقف حين تتجرد من الأنانية. ففي الحياة مواقف كثيرة تبدو متشابهة في ظاهرها،لكنها تختلف في جوهرها اختلاف السماء عن الأرض. فليس كل صبرٍ جميلاً،ولا كل هجرٍ نبيلاً،ولا كل صفحٍ كريماً. فكم من إنسان صبر فأفسد صبره بالشكوى،وكم من إنسان هجر فشوّه هجره بالأذى،وكم من إنسان صفح ثم هدم صفحه بكثرة التذكير بالخطأ. ولذلك جاءت الإشارات القرآنية لتكشف عن مرتبة أرقى من مجرد الفعل،مرتبةٍ تتعلق بطريقة الفعل وروحه وأثره في النفس. قال تعالى:﴿فاصبر صبراً جميلاً﴾ وقال:﴿واهجرهم هجراً جميلاً﴾ وقال:﴿فاصفح الصفح الجميل﴾. إنها ثلاثية الجمال التي ترتقي بالإنسان من مجرد ممارسة الفضيلة إلى تجسيدها في أنقى صورها. فالصبر الجميل ليس أن تتحمل الألم بينما تملأ الدنيا شكوى وتذمراً،بل أن تحمل وجعك بكرامة،وأن تدرك أن بعض المعارك لا تُربح بالاعتراض،وإنما بالثبات. إن الصبر الجميل هو أن تؤمن أن الزمن ليس عدواً لك،بل رسولٌ يحمل في طياته حكمة لم تنضج بعد. إنه سكون الروح وهي تعبر العاصفة،لا لأنها لا تشعر بالرياح،بل لأنها تعرف أن خلف الغيوم سماءً لا تزال زرقاء. ويأتي الهجر الجميل الذي يعد من أعجب صور السمو الإنساني.فالكثير يرحلون بأجسادهم،لكنهم يتركون خلفهم ندوباً في القلوب.في حين نجد أن الهجر الجميل رحيل بلا انتقام،وابتعاد بلا تشويه،وصمت لا يحمل في داخله رغبةً خفية في الإيذاء. إنه اعتراف راقٍ بأن بعض الطرق لا يمكن أن تستمر معاً،وأن الكرامة أحياناً تكون في المغادرة الهادئة أكثر مما تكون في البقاء المؤلم. ثم يأتي الصفح الجميل،وهو ذروة النضج الروحي. فالصفح الذي يسبقه عتاب دائم ليس صفحاً كاملاً،بل دينٌ مؤجل يُذكّر به صاحبه كلما سنحت الفرصة.أما الصفح الجميل فهو تحرير للنفس قبل أن يكون عفواً عن الآخر. إنه إعلان داخلي بأن القلب اختار السلام على حساب الانتقام،وأن الروح فضّلت أن تكون واسعة كالبحر لا ضيقة كجرحٍ صغير. وفي تأمل أعمق؛نجد أن هذه الثلاثية ليست أوامر متفرقة،بل رحلة متكاملة؛فالصبر الجميل يحفظ النفس عند الألم،والهجر الجميل يحفظها عند الفراق،والصفح الجميل يحفظها عند الإساءة. وكأن القرآن الكريم يرسم للإنسان طريقاً يظل فيه نقياً مهما تبدلت الظروف،يصبر فلا ينكسر،ويهجر فلا يؤذي،ويصفح فلا يحمل أثقال الماضي. أما أصحاب القلوب الكبيرة،فهم الذين فهموا سر هذه الآيات،وهو أن الفضيلة لا تكتمل إلا إذا اكتست بالجمال،وأن الله سبحانه وتعالى حين وصف الصبر والهجر والصفح بالجمال،إنما كان يدعو الإنسان إلى أن يرتقي بأخلاقه حتى تصبح انعكاساً لسلامه الداخلي،لا مجرد ردود أفعال على ما يحدث حوله. وحين يبلغ الإنسان هذه المرتبة؛يكتشف أن أجمل انتصار ليس أن يغلب الآخرين،بل أن يغلب نفسه؛فيصبر بلا شكوى،يهجر بلا أذى، ويصفح بلا عتاب. سليمان مُسْلِم البلادي solimanalbiladi@ الحلقات السابقة من روشتة وعي