ذات يوم قادتني خطاي إلى محل أسماك الزينة.
ملأ العامل حوض الاستحمام بالماء، ووضع فيه أسماكه؛ كي يتمكن من تنظيف حوضها الزجاجي.
وبعد أن كشط تلك الطبقة الرقيقة المتكونة على الجدران الصغيرة لمسكنها الذي يحاكي الأعماق، عاد ليخرجها من حوض الاستحمام.
أصابني الذهول حين وجدتها متكومة في مساحة ضيقة لا تتجاوز حجم حوضها الأصلي، رغم أن حوض الاستحمام بأكمله كان متاحاً لها لتسبح فيه.
لم يكن هناك شيء مادي يحبسها، ولا حاجز يمنعها من الحركة.
فلماذا لم تنطلق لتجوب المكان بحرية؟ تُرى، ما الذي فعلته “الحياة داخل الحوض” بقدرتها الفطرية على السباحة؟
ظلتْ هذه اللحظة الهادئة والصادمة في آنٍ واحد، عالقة في ذهني لوقت طويل.
وغدوت أفكر في حال تلك الأسماك الصغيرة التي لا تتجه إلى أي مكان، بل تتوقف داخل ذواتها.
ومنذ ذلك اليوم؛ أصبحتُ انظر إلى العالم من خلال عدسة “الحياة داخل الحوض” والسؤال الذي لا يكاد يفارقني:
بأي الطرق نشبه نحن تلك الأسماك؟
بأي الطرق نتوقف داخل أنفسنا، ولا نذهب إلى أي مكان آخر؟
وكيف نُقلِّص عوالمنا عمداً حتى لا نشعر بضغط الأَسْر الذي فرضناه بأنفسنا على أنفسنا؟
جعلتني فكرة “الحياة داخل الحوض” ؛ أفكر في الطريقة التي نشأنا بها في بيوتنا، ومدارسنا، كما جعلتني أفكر في الكيفية التي تم إقناعنا بها بأن وظائف معينة غير مقبولة، وأخرى بعيدة المنال، وكيف وُجِّهنا في تعليمنا لنعيش بطريقة محددة سلفاً، وكيف دُرِّبنا على الاعتقاد بأن الأمور العملية والملموسة وحدها هي الممكنة، وكيف حُذِّرنا مراراً وتكراراً من أن الحياة خارج “حوض” قِيَمنا هي حياة محفوفة بالمخاطر والصعاب.
وبدأت أرى بوضوح حجم الخوف الذي غُرِس فينا ونحن أطفال تجاه الحياة خارج حدود “الحوض” المألوف.
في الواقع، نحن كثيراً ما نعيش داخل «أحواض» غير مرئية؛ أحواض من العادات، والخوف، والتوقعات، والصور التي رسمها الآخرون لنا.
الحياة داخل الحوض تشبه الإنسان الذي يعيش وفق نسخة مُعدّة مسبقًا من ذاته؛
يفرح بالطريقة المقبولة من الآخرين، ويحزن بالصورة المقبولة منهم أيضاً، ويحلم بالأحلام التي صفق لها المجتمع مسبقاً.
إن هذا الإنسان لا يختار نفسه، بل يختار النجاة من الرفض. ومع الوقت؛ تتحول روحه إلى كائن أليف يسبح في دوائر مكررة؛ يظن الحركة حرية، بينما هو لم يغادر النقطة ذاتها أبداً.
إن المشكلة ليست في جدران تلك الأحواض التي تحيط بنا، بل في الجدران التي أصبحت تسكن داخلنا؛ فقد يعيش إنسان في فضاءٍ واسع، لكنه يحمل حوضه في عقله؛ يخاف التجربة، ويصيبه الذعر من الاختلاف، ويطلب الإذن حتى عندما يريد أن يحلم.
حينها، لا يصبح السؤال: «كيف أعيش بأمان؟» بل: «كيف أعيش بامتلاء؟»
فالأسماك التي تبقى طويلاً داخل الحوض؛ تتقن الدوران، أما التي تذهب إلى البحر؛ فتتعلم معنى الحياة.
وكذلك الإنسان الذي يؤمن بأن الحياة مغامرة جميلة، وشجاعة عظيمة؛ تكون لديه القدرة على صياغة معنىً جميلاً لحياته، وأثراً طيباً بعد وفاته.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي