البؤس والحرمان

كلمتان ثقيلتان على النفس، وقعهما أشدّ من وقع الحسام المهنّد على الإنسان في يومٍ تتطاير فيه الأنفس، ويحمي بعضها البعض من أجل النجاة أو الموت المحقق.

كلمتان أشدُّ على النفس من أحلام طفلٍ ابتاع حلوى، فهرولت أحلامه أمامه؛ لأنه لم يجد مالًا يشتري بها حلمه.

وأشد وقعًا على النفس من يتيمٍ فقد أبويه أو أحدهما فلم يجد يدًا حانية تمسح على رأسه أو حضنًا يحتويه ويشبع لديه جوانب نفسية وعاطفية لا يملؤها إلا حنان الوالدين.

تلك ضروب من أنواع البؤس والحرمان التي قد تقع على الإنسان في مراحل حياته، وخاصة فيما يتعلق بالحاجات الأساسية كالأمن والطعام والشراب وإشباع الحاجات المعنوية التي لا تقل أهمية عن الحاجات الأساسية.

فالبؤس هو الشقاء بعينه، والهم بذاته ثقيل على النفس البشرية، ويقتل كل فكرٍ يحاول الخروج من بوتقته إلى عالم فسيح تهنأ فيه بالحياة ورغد العيش، فقد وصف أحد الشعراء البؤس عندما يكون هو أملًا بذاته بقوله:
إذا كان ما تدعوه بؤسَ غنيمةٍ لمن يطلبُ النُعمى فبئسَ المعوَّلُ
كذلك يصور المتنبي في قصيدته التي يكون الموت في مطلعها هو المطلب والأمل؛ ليكون شافيًا، وهو غاية في البؤس والحرمان، وتكسر مجاديف الأمل على صخرة اليأس وطلب الموت ليكون مخلصًا له من حياته، فأيُّ شقاءٍ وأيُّ بؤسٍ عندما تتمنى ذلك:
كفى بكَ داءً أن ترى الموتَ شافيا وحسبُ المنايا أن يكُنَّ أمانيا
صور بين اليأس والرجاء، والقنوط والأمل مفاهيم لا تلتقي أبدًا، فهي متباعدة في الأصل، ولا يمكن أن تقترن مع بعضها من قريبٍ أو بعيد.

عندما تتراقص هذه المفاهيم البائسة في عقل الإنسان يُصاب بنوعٍ من الإحباط وانكسار الهمة وضعف القدرة على الإنجاز، وسيطرت على تلك النفس ضروبٌ من الخيال البائس والحرمان الأليم الذي يكبّل النفس فتضعف وتهون.

يُطلُّ الإنسان من خلف نافذةٍ صغيرةٍ لا تتجاوز قيد أنملة على العالم في أملٍ أن تتبدل حياته وتتغير بين شدٍّ وجذبٍ ومفاهيم قيّدت حياته، وجعلت فيها نوعًا من الكدر والجزع والهوان؛ بسبب تلك المفاهيم والقيود على بنية التفكير لديه.

إن الأمل نافذةٌ واسعة ترى من خلالها الفضاء الفسيح الذي يسبح فيه الإنسان ويزداد نموه ولا تنكسر مجاديفه التي صنعها من الرجاء والأمل في الله سبحانه وتعالى، ثم السعي في هذه الحياة، والخروج من الدوائر الضيقة إلى دوائر أوسع تجعله يبادر ويساهم في الحياة بأملٍ واسعٍ وحياةٍ لا تتوقف عند مفاهيم تجعله يتراجع عن دوره الحقيقي في الحياة بلا خوف ولا حزن.

وفي ومضات ليلٍ سرى قمره البدري إلى الهجوع والغياب عن الفضاء الكوني؛ ليزداد سواد الليل والظلمة الحالكة، امتدّت يدُ ذلك الفتى لعله يجد ما يسد رمقه من أساسيات الحياة التي ظلت تهجره لزمن، ثم تعود له باستحياء بين أمل يراوده في ذلك وحسرة تلازمه وتسامره في كل تفاصيل حياته، وانقطع رجاؤه من كل أملٍ كأنه سراب في هجير يومٍ شامسٍ يحسبه قريبًا منه وهو بعيد المنال.

ارتفعت الأصوات من حوله: إن الحياة أملٌ فلا تيأس، ورجاءٌ فلا تخف، ونهرُ عطاءٍ لا ينضب، وبحرٌ فيه من اللآلئ والجواهر لبحَّار حاذق يصل إليها، ويقطع الأمل بيأسٍ وحرمان يرى أنه سبب كل بلاء.

هكذا الحياة بين شدٍّ وجذبٍ تتفاقم وتزداد سوءًا في مفاهيم تكبل النفس البشرية عن مكنوناتها التي تساهم في خلق نفس بريئة قادرة على التعايش مع تلك المفاهيم التي تبعث السرور في النفس، وتخلق لها آمالًا تجعلها تمارس دورها في الحياة بدون تكلف أو ضعف أو هوان. ما أعجزك أيها الإنسان! وما أصعب التعامل مع طبيعة بشرية ومكنوناتها الدفينة التي تختزنها في الفؤاد الذي يعشق الأمل واتساع الأفق بدلًا من الانغلاق على مفاهيم تكبل النفس البشرية!

إن البؤس والحرمان شريكان لا ينفكّان أبدًا؛ فكل مفهومٍ يعتمد على الآخر في إيجاد نفسٍ مكبلة بالهموم، ولا تستطيع الخلاص منهما، فالحرمان هو الذي يصنع البؤس الذي يتغلغل في النفس البشرية ويسيطر عليها، بل هو الترياق الذي يغذي البؤس بأكسجين الحرمان وهموم الحياة، فهل نسلّم حياتنا لهذه المفاهيم التي تكرس الانكسار أمام جمال الحياة وسموها في حياة الإنسان؟!

مفهومان لا يجتمعان في نفس بشرية إلا وقعت في مهاوي الردى، وأصبحت سهام المنايا تتقاذفها من كل جانب حتى تسقط صريعة.

مفهومان يؤسس كل واحد للآخر، بل إنهما يتعايشان على آلام الإنسان وهوانه وضعفه وقلة حيلته، ويتطوران مع أبناء عمومتها من مفاهيم تتقاسم معها الشقاء لإنجاز مهمتهما وإبعاد كل جميل عن تلك النفس؛ لتبقى المساحة فارغة لهما، ويزداد ضعف الإنسان وهوانه.

أ.د. محمد بن حارب الدلبحي
عضو هيئة التدريس بجامعة شقراء

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *