بين بذور الدنيا وثمار الأخرة

في بدايات العمر يظن الإنسان أن الدنيا هي الغاية التي لا بعدها غاية فيتعلق بها وكأنها وطنه الأبدي ويركض خلفها ويغضب لفواتها ويحزن على ما لم يدركه منها ثم مع مرور الأيام تهدأ الضوضاء داخله شيئًا فشيئًا ويبدأ يرى الحقيقة كما هي لا كما كان يتخيلها الدنيا ليست وطنًا يُخلد فيه الإنسان بل طريق طويل ومحطة عبور قصيرة أما الوطن الحقيقي فهو هناك حيث تنتهي الرحلة وتبدأ الحقيقة الكاملة ولهذا قالوا الدنيا مزرعة الآخرة ولعل أجمل ما في هذا التشبيه أن المزارع العاقل لا يفتح الأرض كل ساعة ليتأكد من البذور فهو يعرف أن لكل شيء وقته وأن الثمر لا يولد في لحظة بل يحتاج صبرًا وسقيا وانتظارًا وثقة وكذلك الإنسان في حياته كم من دعوة خرجت من قلبه في لحظة ضعف ونسيها لسانه لكنها بقيت عند الله محفوظة لا تضيع وكم من معروف فعلته ولم تر له أثرًا لكن الله أودعه في ميزانك وكم من دمعة سقطت في ليل طويل كانت في علم الله مفتاحًا لفرج لم تتوقعه الحياة تعلمنا درسًا لا ينتبه له كثيرون أن العظيم يبدأ صغيرًا دائمًا فالشجرة كانت بذرة والنهر قطرة والجبال بدأت من ذرات متناثرة وكذلك الأعمال عند الله فلا تستصغر ابتسامة ولا تحتقر كلمة طيبة ولا تستهين بصدقة خفية فأنت لا تعلم أي باب مغلق قد تفتحه هذه التفاصيل الصغيرة ومن أعمق ما قيل في هذا الباب ليس كل من زرع يحصد سريعًا لكن كل من حصد اليوم كان قد زرع بالأمس ولهذا لا تقف كثيرًا عند تأخر الثمار إن أحسنت ولم ترا نتيجة إن صبرت ولم تشعر بجبر إن دعوت ولم ترا الإجابة بعد فأنت في أرض لا تضيع فيها البذور الزارع الحكيم لا يراقب البذرة كل يوم بل يواصل الزرع ويترك الباقي على الله وفي طريق الحياة ترى مشهدًا يتكرر كثيرًا ناس جمعت مالًا كثيرًا أو وصلت لمناصب عالية أو حصدت شهرة واسعة فيظن الناس أنهم امتلكوا كل شيء لكن السؤال الذي لا يخطئ أبدًا يبقى حاضرًا ماذا سيبقى معهم حين يغادرون فالمال يُترك والمنصب يُترك والمدح ينتهي والجسد نفسه يعود إلى الأرض ولا يبقى إلا العمل وما حملته النوايا ومن أجمل ما يمكن أن يفهمه الإنسان مبكرًا أن الدنيا ليست سباق جمع بل سباق أثر هناك من عاش كثيرًا ولم يترك شيئًا خلفه وهناك من مر مرورًا خفيفًا وبقي أثره حيًا في القلوب فلا تجعل همك أن تجمع ما ستتركه خلفك بل اجعل همك أن تزرع ما يسير معك إلى الأبد ازرع خيرًا ازرع رحمة ازرع كلمة طيبة ازرع سترًا للناس ازرع أثرًا يبقى بعد رحيلك فأنت لا تدري أي بذرة تكون سبب نجاتك حين يقف الإنسان بين يدي ربه . وفي ختام مقالناّ الجميل تبقى الحقيقة الأوضح من كل شيء الدنيا سوق راحل يدخله الناس صباحًا ويغادرونه مساءً ولا يبقى فيها أحد فلا تنشغل بما في يدك عن ما في صحيفتك ولا تفرح بما تملك وتنسى ما تقدم فالعمر مهما طال قصير والأيام مهما كثرت تنتهي والسعيد حقًا ليس من جمع أكثر من غيره بل من خرج من الدنيا وقد امتلأت أرض عمره ببذور الخير. اللهم اجعل لنا في كل يوم أثرًا لا يزول وفي كل خطوة نورًا وفي كل عمل قبولًا اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا واجعل خير أيامنا يوم نلقاك واغفر لنا ولوالدينا ولمن نحب واجعل حصاد أعمارنا رحمة ومغفرة ورضوانًا يا أرحم الراحمين. مقالات سابقة للكاتب