تمرّ بنا لحظاتُ بهجةٍ وسرور، تتفاوت مناسباتها وتتباين درجاتها، ويبقى الشعور بها وليدَ لحظتها، ولربما يعلو ويسمو في نفوسنا لا لحجم المناسبة، ولكن لأنها لامست مشاعر متدفقة وصادفت مواقف إنسانية وحوادث حياتية بيضاء ومضيئة.
فصغيرٌ تُرسَم له ملامح مستقبلٍ واعد، أو كبيرٌ حقق منجزًا، أو مصابٌ جُبر مصابه، أو مكلومٌ برئ جرحه، أو مسرورٌ يرى الدنيا تبتسم له، أو سعيدٌ نال مراده.
إنها لحظات نشعر فيها بجمال الحياة، ونحياها بمشاعرنا وبمشاركة مشاعر الآخرين، بصرف النظر عن طبيعة المواقف والحوادث. نعيشها وكأننا بين أزهارٍ وثمر، وبين خضرةٍ ونهر.
سعادةٌ تشعر معها أن لك أجنحة تطير بها، وتعانق النجوم والقمر!
لكن قد يحدث، وأنت تعيش هذه السعادة الغامرة، ومن حولك يشاركك ويهنئك ويبارك لك، أن يفاجئك الخاطفون في صورة العقلاء المقيمين أو الناقدين الاجتماعيين، وكأنهم وكلاء على السعادة، يكيلونها ويضبطون أوزانها!
يأتون إلى سعادتك فينقصونها من أطرافها، أو يفلجون صدرها.
تارةً بتساؤلٍ متعجب عن سر سعادتك؛ فهم يرون أن الأمر لا يستحق كل هذا الفرح والتعبير، أو أنه ليس فريدًا من نوعه، وأنك لم تأتِ بجديد يستحق الاحتفاء، فقد مرّ بغيرك مثل ما مرّ بك ولم يسعدوا به كسعادتك!
وتارةً بنظرة تهكمية لمناسبتك تحطم المستقبل الذي تراه من خلالها، فيقدم لك تساؤلًا تشاؤميًا قائلًا: وماذا بعد؟ فقد حقق غيرك مثل هذا الإنجاز، وها هم اليوم قاعدون عاطلون!
حدث أن احتفلت أرملة بابنٍ لها تخرج في الجامعة بعد سنوات من الكفاح واليتم والفقر. احتفلت، ولو استطاعت لدعت أباه في قبره ليشاركها السعادة بما حققه ابنهما من إنجاز، وما تحقق لهما من أمل فيه.
فجاءت إحدى الخاطفات، وقدمت التباريك المختصرة على عجل لتصل إلى هدفها سريعًا، فذكرت شح الوظائف وكثرة العاطلين. ولم يكفها ذلك، وما زال لدى الأم وهج من السعادة، فسألت عن التخصص، فلما عرفت قالت: ما أكثر من سبقه إلى هذا التخصص ولم يجد وظيفة!
ثم ودعتهما بدعاء عابر، بعد أن حطمت آخر قسمات السرور على وجه تلك الأم المبتهجة بتخرج ابنها.
كم يتجرأ ناهبو اللحظات السعيدة، وكأنهم تكفلوا بإشاعة النكد والتشاؤم حتى في مواطن السرور والبهجة!
همسة: عِش فرحتك، واحتفل بإنجازاتك، ولا تسمح لأفكار الآخرين السوداوية أن تحجب نور السعادة عن أيامك، أو تطفئ أنوار احتفالك.
✍️ إبراهيم مهنا الصحفي
مقالات سابقة للكاتب