رحل أبي وبقيت رائحته

هل جرّبت شعور الدخول على الميت لتودّعه؟

هل جرّبت أن تقف مع المصلين لتصلي على ميتك؟ ميتك أنت؟!

هل استشعرت دعوات الجموع: (اللهم اجبر قلوبكم)؟ إي وربي، إنه الكسر.

هكذا، فجأة وبهدوء، رحل والدي، تاركًا خلفه حزنًا صاخبًا. لن أراه مرة أخرى، لن أقبّل رأسه ويده، لن أتناول معه فنجان قهوة وأُحلّيه بذكرياته ونكهتها الأخّاذة!

كان يومًا عاصفًا غريبًا مرًّا، خرجت روحه في أحداث متسارعة، اجتمع كل الأحبة حوله، واجتمع حول أمي الكثير. رأيته في مجلسه ميتًا، ولكم أن تصفوا الشعور! أحداث عظيمة تتابعت بعدها، وحُدِّدت الصلاة.

وهناك في المسجد جزء آخر من الحكاية الحزينة. خرجت مع أخي للصلاة، وكان الطريق مترفًا بالذكريات، لطالما مررت بهذا الطريق معه -رحمه الله-. مررت بمبنى الجامعة التي أوصلني إليها بنفسه، والعجيب أنه المبنى نفسه الذي درس فيه قبل عقود.

وصلنا إلى المسجد، وهذه أول صلاة أحضرها على ميتٍ لي. مراسم جديدة بلحظات خاطفة، خالطت حزنًا عميقًا. اجتمع الأحباب والحبيبات، ودخلنا على والدي. كنت أقول: كيف يدخلون على ميتهم؟ كيف تقوى نفوسهم على اللقاء بلا روح؟! ولكن الأمر بالتجربة مختلف.

أريد أن أجمع أكبر عدد من النظرات، وأكبر عدد من القبلات؛ لأخزنها في الذاكرة بحثًا عن سلوى.

هذا عمي لمحته مارًّا، شعور عاصف انتابني. عمي حبيب أبي ورائحته. أدركته قبل دخول المسجد، فضمّني إلى صدره بحنان، وقبّلت رأسه مرارًا، وتبادلنا التعازي.

دخلت المسجد، وكان جمع كثير من الأحباب قد جاؤوا للصلاة والمواساة. لقد شعرت بكل وجه حضر، ووصلتني كل ضمة قوية ربّتت على قلبي، وكل كلمة نبعت من قلوبكم وصلت، وكل دعوة أصابت شعورًا.

شكرًا لكل من شاركنا المشاعر والتفاصيل. إنه والدي! أأذكر محاسن والدي؟! وكلهم يقولون: «كل فتاة بأبيها معجبة»، بل هو العشق والغرام والهيام، ولتُترك المحاسن لغيري، فشهادتهم أبلغ.

كنت أسمع برائحة الأب كما يسمونها، واليوم أجدها وألتمسها وأعيشها. أجدها في وجه عمي وعمتي، وفي وجوه إخوتي، وأجدها في أسماء أصدقائه وجيرانه، وفي حكاية تُروى عنه وخبر.

أجدها في مصحفه، وسجادته، ومذياعه، وصوت الأذان. آهٍ يا صوت الأذان! أجده في صحيفة كان يطالعها كل يوم، وفي عصاه التي حملها في أيامه الأخيرة، وفي التقويم الذي كان يتابع فيه يوميًا أوقات الصلاة، وفي معارف وجيران قدماء جاؤوا للتعزية.

ذكريات مراحل عمري المختلفة تلوك قلبي: طفولتي، ومراحل دراستي المختلفة، والجامعة، ورحلة الدراسات العليا تحت ظله.

تولّد عندي نهم الحديث. أريد أن أتحدث عن أبي: حاله، وصوره، وقصصه، ومواقفه. أشعر بالامتنان لكل من سمع ثرثرتي التي لا تعنيه.

دخلت عليه عصر السبت، وكان مستلقيًا على يمينه شارد النظرات. سألني عن الساعة، فأخبرته أنها الخامسة، فأجاب: «باقي خمس دقائق على الصلاة».

وبعد العشاء كان على كرسيه في المجلس، لم يتكلم كثيرًا، ولم يشتهِ طعامًا، وشنّف أذني ببيت شعر عامي لا أذكره، ولكنه كان يتضمن ذكر أماكن طفولته في الحريق.

ابتهجت بحديثه، فقد كان قليل الكلام في الفترة الأخيرة، واستزدته عنها، فأخبرني أنها أماكن كانوا يصيدون فيها الجراد، وأن عقربًا كادت تلدغه وهو يبحث عنه.

وانتهى!

حديث سريع، استمتعت به وقتها، واستمتعت بتذكره أكثر وأكثر. لم يخطر ببالي أن هذه هي الكلمات الأخيرة التي سأسمعها منه.

لم تكن تعلم يا أبي أن رفيق رحلاتك الإفريقية سيتقدم للصلاة عليك.

لم تكن تعلم يا أبي أن أيتامك الفلبينيين سيكبرون ويصنعون لك طعامًا بعد موتك، يدعو لك الفقراء بسببه صدقةً عنك.

لم تكن تعلم يا أبي أن منبّه الثالثة فجرًا سيبحث عنك ويشتاق إلى قيامٍ كنت تطفئه لأجله، وأن التقويم قد بقي على يوم وفاتك أيامًا.

أسأل الله أن يجعل القرآن شفيعًا له يوم القيامة.

اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة.

واجعله ممن يقول: «ربِّ أقم الساعة».

واجبر الكسر يا جبّار.

بنان بنت محمد

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “رحل أبي وبقيت رائحته

حجازيه

شكراً لبنانك يا بنان شاركتيني ذكرى أبي الذي رحل قريباً وحتى الان لم يسعفني قلمي لأكتب فلا أجد كلاماً يوفي حقه ولا أجد قولاً يتصف احساسي ،مصحفه منببه مذياعه رائحة عطر صوت الاذان الذي كان ممن يرفعه حرصه على الدين يتعلم ويعلم لم يكن راحلاً عادياً بشهادة جميع من حوله رحم الله أبي وأباك وموتاي وموتاك وجميع موتى المسلمين 💔

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *