
قراءة في الذاكرة
يظل الشعر أكثر الأجناس الأدبية حضورًا في ذاكرة خليص. ولسنا بصدد تقصّي الظروف التي شكّلت هذا المنحى في التوجه إلى الشعر دون القصة والرواية، لكننا نؤكد أن الشعر هو الأبرز في المشهد الثقافي قبل التعليم وبعده؛ ففي كل مركز شعراء، وفي كل حي شاعر، بل إن كل بيت يسكنه شاعر أو متذوق للشعر.
ولعل هذه الظاهرة تتجلى في أكمل صورها عند الغوانم، والشيوخ الهواشم بالصدر. وتحتاج هذه الأسماء إلى عمل مؤسسي يحصيها، ويوثقها، ويرصد منجزها، ويقدم قراءة نقدية لتجربتها الشعرية في المحافظة.
صحيح أن جمعية الثقافة بخليص سعت إلى تسجيل بعض انتصاراتها في مجال التأسيس لخط ثقافي محلي، وكذلك صحيفة «غراس»، لكن محدودية الدعم والوقت، والتبعية للنادي الأدبي بجدة، ساهمت في الحد من طموحاتها، وأرهقتها باشتراطات اختيار المكان والضيف والموضوع؛ فتحولت إلى دار ضيافة. ومع كل هذه السلبيات، لا نغفل دورها الإيجابي في التعريف بالمنطقة، وبعض المبدعين الشباب من الجيل الثاني.
ورغم العدد الكبير من الشعراء في خليص، وبعض القامات الشعرية التي تجيد النظم بالعامية والفصحى، لم يغامر أحد منهم بطباعة منجزه الشعري ــ على حد علمي المتواضع ــ باستثناء اثنين، هما: عبدالكريم المزروعي، وسالم عبدرب النبي الغانمي.
وقد تيسر لي الاطلاع على ديوان «المملكة» للشاعر سالم عبدرب النبي، والفضل في ذلك للأستاذ فواز عبدالمحسن الشيخ. كما وعدني الأستاذ حمد جعفر الشيخ بنسخة من ديوان الشاعر عبدالكريم المزروعي.
وهناك بعض التجارب الناضجة التي لا أدري سبب إحجام أصحابها عن نشرها، مثل: مشعل مساعد المغربي، وعماد أحمد الشريف، ودخيل ردة الغانمي، ودخيل عطا الله الغانمي، مع حفظ الألقاب، وغيرهم كثير من المبدعين الذين يضيئون سماء المحافظة، وأصحاب التجارب التي أينعت وحان قطافها.
ومشروعنا ليس نقديًا، ولا قراءة في التجربة الشعرية، وإنما هو مشاغبة للذاكرة التي تمتلك رصيدًا كبيرًا من الحكايات والمناشط التي تناقلتها الأجيال حول: طرق الحج، والقرى التاريخية، والسيول، والثورات الطبيعية، والتنوع القبلي والاجتماعي، والتحولات العمرانية، والهجرة والتنقل بين البادية والحاضرة، والغزل والوجد، والرثاء، والفخر، والأحداث الوطنية.
وربما كانت هذه العناصر صالحة لتغذية القصة والرواية، وخلق كتّاب قادرين على تحويل هذه الذاكرة إلى قصص مكتوبة تستلهم البيئة المحلية، والتحولات الاجتماعية، والعلاقة بين القديم والجديد، وتفاصيل القرية والحاضرة الناشئة. لكن هذا الرصيد الكبير بقي في مأمن، وحافظ على عذريته، في ظل شغف الظمآن بالماء؛ إذ اندفع الشباب، كمساقط المياه من أعلى الشلالات، نحو التعليم، فكانت خليص نموذجًا فريدًا ومتميزًا في المكتسبات العلمية، ورافدًا للبعثات ــ شبابًا وبنات ــ إلى شرق العالم وغربه.
فتوارت الأجناس الأدبية في ظل هذا المكتسب العلمي، وبقي الشعر ــ وهو الصوت الأقدم في خليص ــ ضمن دائرة النسق الثقافي، ولم يستوفِ أغراض التجديد، ولم يلحق بالحداثة الشعرية.
ولا يزال الشاعر سفير القبيلة ووجهها الإعلامي؛ وقد بلغ من حضوره في المشهد أنك تعرف القبيلة من شاعرها. وإن كان هذا يظهر بوضوح في زمن كان فيه الشاعر بمنزلة النشيد الوطني للقبيلة، فإن متعلقات هذه الحالة ظلت قائمة في العهد الحاضر، وإن اختلفت أغراض الشعر. فلا يزال الشاعر أولوية في الخطاب الثقافي، ويتصدر المجلس والمشهد.
محمد علي الشيخ
مقالات سابقة للكاتب