تأملات مع إشراقة العام الهجري الجديد!!

مع إشراقة عام هجري جديد، لا نقف عند حدود تبدّل الأرقام في صفحات التقويم، بل نقف مع أنفسنا وقفة صدق، نستحضر فيها دروس الهجرة النبوية الخالدة، ونتأمل ما الذي ينبغي أن نهاجر عنه في أخلاقنا وأفكارنا وسلوكنا، وما الذي ينبغي أن نهاجر إليه من خير وعلم وعطاء وقرب من الله.
ليست الأعوام هي التي تغيّرنا، بل المواقف التي هزّت قلوبنا، والدروس التي أعادت تشكيل أرواحنا، واللحظات التي قررنا فيها أن نولد من جديد.
في أعماقنا مساحة لا يزورها إلا الصدق، هناك نتوقف لنتأمل كيف عبرت بنا السنوات كأنها نسمة عابرة، تركت خلفها ندوبًا صارت حكمة، ودمعات تحولت إلى نور.
كثيرًا ما ربطنا البدايات بتقلب صفحات التقويم، بينما الحقيقة أن أعظم البدايات لا يعلنها الزمن، بل يعلنها قرار صادق يولد في أعماق الإنسان. فكل لحظة تنبض فيها قلوبنا بالشجاعة لمراجعة الذات، أو بالتوبة، أو بالأمل، هي عام جديد يولد من رحم الروح.
إننا لا نفتح صفحة جديدة لنكتب أمانينا فحسب، بل لنتصالح مع أنفسنا التي أرهقها البحث عن الكمال، ونحمل تجاربنا كبوصلة ترشدنا نحو غدٍ أكثر إشراقًا.
وبين ثنايا الحياة تختبئ دائمًا فرصة أخرى لنبدأ من جديد بقلب لا يعرف إلا الرضا، وعين لا ترى إلا الجمال، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾.
في ميزان الحكمة لا تُقاس السنون بمجرد دوران الأيام في سجلات التقويم، بل تُقاس بما تركته فينا من أثر، وبما أضفناه نحن إلى أرواحنا من نضج.
إن نظرتنا للزمن ليست وداعًا لما مضى فقط، بل هي استشراف واعٍ لما هو آتٍ، فكل لحظة نعيشها فرصة لإعادة ترتيب ما تبعثر في داخلنا.
لقد تعلمنا عبر السنوات أن الحياة لا تمضي في خط مستقيم، بل هي رحلة مليئة بالمنعطفات التي تختبر صدق نوايانا، وأن نكبر يعني أن ندرك أن ما لم يكتمل في ماضينا لم يكن فشلًا، بل كان أبوابًا لدروس لم نكن لنفهمها لولا خوضها.
ولعل أجمل ما تمنحنا إياه السنوات ليس ما نكسبه من نجاحات، بل ما تكشفه لنا من حقائق عن أنفسنا، فكم من أمنية ظننا أن سعادتنا معلقة بها، ثم أدركنا بعد حين أن الله صرفها رحمة بنا، وكم من باب أُغلق في وجوهنا، فكان وراءه باب أوسع وأكرم.
إن الإنسان لا ينضج حين تتحقق جميع رغباته، بل حين يفهم أن تدبير الله له خير من تدبيره لنفسه، وأن ما كُتب له سيأتيه ولو بعد حين، وأن ما فاته لم يكن ليصيبه. وحين يصل إلى هذه القناعة يتحول القلق إلى سكينة، والانتظار إلى يقين، والتعب إلى رضا.
إن التحرر من أثقال النكد وسوء الظن ليس ترفًا، بل هو قرار واعٍ لنسمح للنور أن يملأ أرواحنا، مدركين أن التغيير يبدأ من الداخل، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
وهنا نتذكر أن البداية ليست في التاريخ، بل في القرار. فلا يمكنك أن تعود إلى الوراء لتغيير البدايات، ولكن يمكنك أن تبدأ من حيث أنت وتغيّر النهايات.
وترى الشوك في الورود وتعمى
أن ترى فوقها الندى إكليلًا
والذي نفسه بغير جمال
لا يرى في الوجود شيئًا جميلًا
إن حقيقة الأمل تكمن في العهد الذي نقطعه مع الله، ثم مع أنفسنا، بأن تكون أيامنا القادمة مساحة للرحمة والعمل والتصالح.
فالحياة جميلة بطبعها، فلا تحجبوا جمالها بالهموم، ولا تؤخروا الفرح حتى تكتمل الأحلام. فهي ليست محطة نصل إليها، بل رحلة نتعلم فيها كيف نبتسم رغم النقص، ونشكر رغم الابتلاء، ونأمل رغم الغموض.
وما دام القلب عامرًا بالإيمان، ففي كل صباح بداية، وفي كل عثرة درس، وفي كل تأخير حكمة، وفي كل قدر جميل رحمة من الله.
تذكروا دائمًا أن البداية ليست يومًا في التاريخ، بل هي لحظة قرار؛ لحظة تطوي فيها الألم وتبدأ بها حياة جديدة.
وفي الختام، لا تحملوا من الأمس إلا ما يضيء قلوبكم، ولا تستقبلوا الغد إلا بروح مطمئنة. تذكروا أن كل ندبة في ذاكرتكم هي شاهد قوة، وأن كل يوم يمضي فرصة لنكون أفضل.
امضوا بقلوب هادئة، واثقة بأن الله لا يضع في دروبنا إلا الخير. فكونوا كالنور؛ يمنح الدفء ولا يؤذي، ويهدي ولا يضيق.
ولتكن أيامكم القادمة رحلة سلام داخلي، وعطاء، ويقين.
نوار بن دهري
مقالات سابقة للكاتب