تصرُّم العام.. صفحاتٌ تُطوى وآجالٌ تقترب

الحمد لله الذي جعل الأيام مواسم للأعمال، والسنين مراحل للآجال، والصلاة والسلام على نبينا محمد خير من اغتنم عمره في طاعة ربه، فكان في الجنان في قربه وعلى آله وصحبه.

أما بعد :

ها هو عامٌ من أعمارنا يشدّ رحاله مودعًا، ويغيب في سجل الماضي كما غابت أعوام كثيرة قبله، فلا يعود يومٌ منه، ولا تُستدرك ساعةٌ من ساعاته.

يمضي العام وتبقى آثاره، وتنقضي أيامه وتبقى أعماله، وكأن الليالي والأيام رسلٌ متعاقبة تسير بالإنسان نحو أجله خطوةً بعد خطوة.

تَوَلَّى عَامُنا وَالأُمْسُ يَطْوِي أَثْرَهُ
وَالْعُمْرُ يَمْضِي لا يَعُودُ لِمَرْجِعِ

وَاللَّيْلُ وَالأَيَّامُ رُسْلٌ بَيْنَنَا
تَسْعَى بِنَا نَحْوَ الْحِمَامِ المُسْرَعِ

وما تصرُّم الأعوام إلا تذكيرٌ متجدد بحقيقة الدنيا وسرعة انقضائها؛ فالأمس القريب الذي استقبلنا فيه هذا العام بالأماني والآمال أصبح اليوم ذكرى تُروى، وشاهدًا يُسأل عنه المرء بين يدي ربه.
فالعاقل من جعل من مرور الزمن واعظًا له، ومن تعاقب الأيام باعثًا على المراجعة والمحاسبة والتوبة والأوبة.

الأَمْسُ كَانَ مُنًى وَأَحْلَامًا لَنَا
فَغَدَا حَدِيثًا بَعْدَ طَيِّ الْمَشْهَدِ

فَاجْعَلْ تَعَاقُبَ كُلِّ يَوْمٍ عِبْرَةً
وَازْدَدْ إِلَى التَّوْبَاتِ حُسْنَ تَجَرُّدِ

إن الأعوام لا تُقاس بطولها، وإنما بما حوته من خير وعمل صالح، وبما غُرس فيها من نفعٍ وإحسان. فرب عامٍ قصير في أيامه، عظيمٍ في بركاته وآثاره، ورب عامٍ طويلٍ في حساب الناس، قليلُ الثمرة عند الله.

لا يُقاسُ العُمْرُ بِالأَيَّامِ مَدَّتِهِ
إِنَّ المَقَايِيسَ مَا فِيهِ مِنَ الْعَمَلِ

فَرُبَّ عَامٍ قَلِيلِ الدَّهْرِ فِي عَدَدٍ
عَظِيمُ أَثَرٍ فِي مِيزَانِ ذِي الْأَمَلِ

وَرُبَّ عُمْرٍ طَوِيلٍ غَيْرِ ذِي ثَمَرٍ
يَمْضِي كَسَيْلِ سَرَابٍ غَيْرِ مُكْتَمِلِ

ومع رحيل هذا العام، يجدر بالمرء أن يقف مع نفسه وقفة صدق، ومحاسبة للنفس بلا رفق، فيحمد الله على نعمه، ويستغفره من تقصيره، ويشكره على حسن صنيعه وتدبيره، ويعزم على أن يكون القادم خيرًا من الماضي، فإن رأس مال المؤمن عمره، وأغلى ما يملك أيامه وساعاته.
فيا من ودّعت عامًا من حياتك، تذكر أن الأعوام الراحلة ليست مجرد أرقام تتبدل، بل هي أجزاءٌ من عمرك تتناقص، وخطواتٌ تقرّبك من الدار الآخرة. فاغتنم ما بقي، وأحسن فيما يأتي، فإن ما مضى لا يعود، وما بقي هو ميدان العمل والأمل.

فحمدًا لربٍّ لا نُحصي عطاءَهُ
تَوالى علينا في يَسارٍ ومُعضِلِ

وحاسِبْ فؤادَكَ عندَ طَيِّ صَحائِفٍ
فما العمرُ إلا مُنذِرٌ بالتَّرحُّلِ

نسأل الله أن يجعل ما مضى من أعمارنا مغفورًا زلاته، وما بقي منها معمورًا بطاعاته، وأن يحسن لنا الختام، ويبلغنا من المقاصد التمام.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقالات سابقة للكاتب

4 تعليق على “تصرُّم العام.. صفحاتٌ تُطوى وآجالٌ تقترب

عبد الحكم الضو

ابا فهد سلمت يمينك ولافض فوك وبورك عامك

منيع هادي المشيخي

جزاك الله خيرًا يا شيخ حسن على هذه الكلمات المباركة والتذكرة النافعة. ما أحوجنا إلى محاسبة النفس مع تعاقب الأعوام والأيام، وصدق التأمل في ما مضى واستدراك ما بقي. نسأل الله أن يغفر لنا ما سلف، وأن يبارك لنا فيما بقي من أعمارنا، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائه. بارك الله فيك ونفع بك

غير معروف

ماشاءالله آللهم بارك
أحسنت وأجدت فأصبت
جزاك الله أخي ابو فهد خير الجزاء ورحم الله والديك

اخوك بندر حاتم

بآرك الله فيك ياخي حسن
وجزاك الله خيرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *