في وقتٍ تتزاحم فيه الأصوات والصور، وتتدافع الأخبار نحو أسماعنا وأبصارنا، يتسابق البعض -للأسف- في الفوز بأولوية النشر والإخبار دون تمحيص، ودون أن يكلف نفسه أخْذ الأخبار من مصدرها الرسمي، في حين كان لزاماً تلقْي تلك الأخبار من مصادرها الرسمية.
ففي وقت الأزمات، يصبح الخبر من مصدره الرسمي ليس مجرد معلومةٍ تُتداول، بل فعلُ وعيٍّ يرسّخ معنى المسؤولية الوطنية في ضمير المجتمع.
فالحقيقة حين تُؤخذ من منبعها الصافي؛ لا تكون مجرد خبرٍ يُقال، بل حجر أساسٍ في بناء الثقة، ولبنةً في جدار الاستقرار.
لذلك؛ علينا أن ندرك أن الخبر من مصادره الرسمية ليس سلطةً على العقل، بل حمايةٌ له من الفوضى. فالمجتمعات لا تهتزّ فقط بالوقائع، بل بما يُقال عنها عبر تلقي المعلومات المضللة.
فَرُبَّ شائعةٍ خفيّة تتسلل إلى النفوس؛ فتزرع الشك وتبدّد الطمأنينة؛ لذلك يصبح الرجوع إلى المصدر الرسمي فضيلةً، وفعلاً أخلاقياً ووطنياً قبل أن يكون سلوكاً معرفياً؛ لأنه يحفظ الحقيقة من التشويه، ويحفظ المجتمع من تتبُّع الأخبار المغرضة والمضللة.
ومن هنا، يتجلّى معنى أن يكون الخبر رسْماً للاستقرار. فالأوطان لا تُبْنى فقط بالاقتصاد أو بالقوة العسكرية، بل تُبْنى أيضاً بثقة الناس في الكلمة الصادقة التي نجدها دوماً في المصدر الرسمي للوطن.
فحين يطمئن المواطن إلى أن الحقيقة واضحة ومعلومة من مرجعها الصحيح؛ فإن ذلك يخلق حالةً من السكينة العامة؛ سكينةٌ تُشبه الضوء الذي يمنع الظلال من التمدد.
فالاستقرار في جوهره ليس غياب الأزمات، بل حضور الحقيقة.
إننا إنْ أدركنا كينونة هذا المعنى؛ شعرنا بالأمن والأمان الذي هو ثمرة هذا الوعي المشترك. فالأمن والأمان ليس مجرد شعورٍ فردي، بل حالة جماعية تنشأ عندما يتفق الناس على مرجعيةٍ موثوقةٍ للخبر والمعرفة التي يمثلها المصدر الرسمي؛ حينها يصبح المجتمع جسداً واحداً يتنفس بوعيٍّ واحد؛ فلا تتسلل إليه الأخبار المضللة عبر أبواب الشائعات، ولا تهزّه الأخبار المبتورة التي تُصاغ لتثير القلق والشكوك أكثر مما تكشف الحقيقة.
وفي هذا السياق الوطني الجميل، يظهر الامتثال الواعي بوصفه فضيلةً مدنية رفيعة. فالامتثال هنا ليس خضوعاً أعمى، بل إدراكٌ عميق بأن الالتزام بالمعلومة الصحيحة من مصدرها الرسمي، واحترام الأنظمة والتوجيهات، هو مشاركة في حماية الوطن. فالوطن ليس أرضاً فحسب، بل تلاحم بين القيادة والشعب، ومنظومة ثقة بين قطاعاته الحكومية المختلفة والمجتمع.
إنه عندما يختار الإنسان أن يتحقق من الخبر قبل تداوله، وأن يُنصت إلى المصدر الرسمي قبل أن ينساق وراء الضجيج؛ فإنه يمارس دوراً صغيراً، لكنه عظيم الأثر في حفظ الوطن. فهو يطفئ شرارة الفتنة قبل أن تصبح ناراً، ويغلق باب الفوضى قبل أن يتحول إلى عاصفة.
لذلك، حين يكون أخذ الخبر من مصدره الرسمي، وحين يكون الامتثال نابعاً من وعيٍ؛ يصبح المجتمع أكثر رسوخاً، ويصبح هذا السلوك الوطني ليس حالةً عابرة، بل ثقافةً راسخة تعيش في ضمير الناس.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي