يوم التروية… حين تتهيأ القلوب ليوم عرفة

في اليوم الثامن من ذي الحجة تبدأ القلوب المؤمنة رحلةً مختلفة، رحلة لا تشبه أسفار الدنيا كلها؛ ففي هذا اليوم يتحرك الحجيج إلى مِنى، وتبدأ فعليًا أعظم أيام العمر، وأشرف رحلة يعيشها المسلم في حياته.

إنه يوم التروية…
أول أيام الحج، وبوابة المشاعر العظيمة، والمقدمة الإيمانية للوقوف بعرفة.

وسُمّي يوم التروية بهذا الاسم لأن الحجاج كانوا قديمًا يتزوّدون فيه بالماء، ويرتوون ويحملون ما يحتاجون إليه قبل خروجهم إلى عرفة ومزدلفة، إذ لم تكن المياه متوفرة هناك كما هي اليوم.

لكن المتأمل في هذا الاسم يشعر أن القضية ليست “تروية الماء” فقط، بل إن المسلم في هذا اليوم يحتاج كذلك إلى:

تروية قلبه بالإيمان، وتغذية روحه بالذكر، وتهيئة نفسه للوقوف الأعظم بين يدي الله.

فالحج ليس انتقال جسدٍ بين المشاعر فحسب، بل انتقال قلبٍ إلى الله.

ولهذا كان يوم التروية يوم استعداد وتهيئة قبل يوم عرفة، وكأن الإسلام يعلّم المسلم أن المواقف العظيمة تحتاج إلى إعداد نفسي وإيماني يسبقها.

في هذا اليوم يخرج الحجاج إلى مِنى ملبّين:
“لبيك اللهم لبيك…”

ما أعظم هذا النداء!
إنه إعلان عملي بأن القلب قد أقبل على الله، وترك وراءه ضجيج الدنيا ومشاغلها.

وفي مِنى يعيش الحاج معنى الانفصال المؤقت عن زخارف الحياة المعتادة، لينشغل قلبه بشيء واحد:
القرب من الله.

ولهذا كان من هدي النبي ﷺ أن يصلي بمنى:

الظهر،والعصر،والمغرب،والعشاء،
والفجر، ثم يتوجه بعد ذلك إلى عرفة.

وكأن يوم التروية يوم بناءٍ روحي هادئ قبل أعظم مشهد في الحج.

إن النفوس لا تنتقل فجأة من صخب الدنيا إلى ذروة الانكسار والخضوع في عرفة دون تهيئة، ولذلك جاءت مِنى كمحطة تربوية تسبق الموقف الأعظم.

وفي هذا اليوم يتعلم المسلم معنى الاستعداد قبل المواسم الكبرى:

فالصلاة تهيئة، والذكر تهيئة، والتلبية تهيئة، والخلوة مع النفس تهيئة،
وتعظيم الشعيرة تهيئة.

وكأن الحاج يُربّى في يوم التروية على أن القلب إذا أراد الوصول إلى الله فلا بد أن يتهيأ لذلك.

ومن المعاني الإيمانية العظيمة في يوم التروية أن الحج يبدأ بالحركة إلى الله قبل الوصول إلى أعظم المقامات.

فالطريق إلى الله يبدأ بخطوة صادقة، وإقبال حقيقي، وتجرد من علائق الدنيا.

ولهذا لم يكن يوم التروية يوم أعمال كثيرة ظاهرة بقدر ما هو يوم إعداد للقلب.

إنه يوم يعلّم المسلم:
الهدوء قبل الموقف العظيم، والتأمل قبل الدعاء، والانكسار قبل عرفة،
وتجديد النية قبل أعظم أيام العمر.

ولعل من أجمل المعاني التربوية في هذا اليوم أن المسلم يحتاج دائمًا في حياته إلى “محطات تروية” إيمانية:
يتوقف فيها قليلًا، ويراجع قلبه،
ويستعد للمواقف الكبرى في حياته.

فكما أن الحاج يتزود قبل عرفة، فإن المؤمن يحتاج أن يتزوّد قبل كل مرحلة عظيمة:

بالذكر، والدعاء، والقرآن، ومحاسبة النفس، وتصحيح النية.

إن يوم التروية ليس مجرد يوم يسبق عرفة زمنيًا، بل هو بناء روحي يمهّد للقلب أعظم لحظات القرب من الله.

ولهذا كان من أجمل ما يعيشه الحاج في هذا اليوم:
أن يشعر أنه يقترب شيئًا فشيئًا من الموقف الأعظم، وأن كل تكبيرة وتلبية وخطوة تقرّبه من رحمة الله ومغفرته.

وحتى غير الحاج، فإن هذا اليوم يذكّره بأن الوصول إلى المقامات العظيمة لا يكون فجأة، بل يحتاج إلى إعداد قلب، وصدق توجه، وحسن إقبال على الله.

فطوبى لمن جعل من يوم التروية بدايةً لتروية قلبه بالإيمان، واستعد فيه ليوم عرفة بروحٍ مقبلة على الله، وقلبٍ يرجو رحمته ومغفرته.

أ.د. مشعل بن حميد اللهيبي
أستاذ الحديث وعلومه بقسم الكتاب والسنة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *