قراءة في الذاكرة
من الجميل وصف خليص بأنها “حاضرة حرب الكبرى” بين مكة والمدينة؛ لأن كثيرًا من القرى كانت تمثل موطنًا لفخذ أو بطن واحد، بينما بدت خليص كأنها صورة مصغّرة للتنوع الحربي في الحجاز، حتى تشكّل فيها نسيج اجتماعي واسع قائم على الجوار والمصاهرة والمصالح المشتركة أكثر من الانغلاق القبلي الضيق. ولهذا يمكن القول إن الجغرافيا في خليص لم تجمع القبائل فقط، بل علّمتها التعايش أيضًا.
في الزمن المتأخر، زادت انشغالات المؤرخين بتاريخ قبيلة حرب في سياقات الاهتمام بتقديم قراءات جديدة للتشكيلات القبلية على امتداد الوطن. ونذكر منهم أربعة من كبار الباحثين المنتمين إلى قبيلة حرب، اثنان منهم من أهل الدار: الشيخ عاتق البلادي، والدكتور مبارك المعبدي، والدكتور فايز البدراني، والأستاذ بدر الزبالي. وقد فصلوا في نسب القبيلة وفروعها وتقسيماتها، وأماكن هجرتها واستقرارها، ونزاعاتها المحلية، وعلاقتها بالدولة، وحروبها.
ومؤلفات هؤلاء متاحة للبيع، وعلى منصات التواصل، وعبر محركات البحث، كما يمكن تحميلها بصيغة (PDF) أو استعارتها. لذا سنقفز إلى “عهد قبيلة حرب لعظمة السلطان”، متجاوزين في ذلك الاعتماد على النقل أو الاقتباس، إلى الرجوع لمظانه الأصلية؛ أي مصادره الأساس، والجهة التي أصدرته أو احتفظت به.
النص الأصلي:
“وفد على عظمة السلطان، فيمن وفد، قبيل من حرب مع إسماعيل بن مبيريك صاحب رابغ، يعرضون الطاعة ويطلبون الأمان، فقبل طلبهم وأعطاهم الأمان، وأُخذ عليهم العهد والميثاق بذلك في جمع حافل ليلة خميس من جمادى الثانية. وخلاصة ذلك العهد: أن محمد بن حمادي، وسليمان بن هادي النتاف، وعويض بن بريكان المعبدي، وعويضة بن منيع الله المعبدي، تعهدوا عن بشر ومعبد… وكذلك تعهد عن الصحاف من حرب محمد بن حامد بن نفاع، والشيخ وكيل بن عبدالوكيل عن المصابيح، وكذلك تعهد عن القراقرة من حرب حميد بن مبيريك، ومحمد بن فالح، وثواب بن حمد…” انتهى الاقتباس.
والتنقيط بين الفقرات يشير إلى أن النصوص مبتورة، وكمالها بالرجوع إلى المصدر لتحديد نطاق ترسيم حدود سلطة المتعهد.
المصدر:
عبدالعزيز بن محمد الفهد العيسى: أرشيف مملكة الحجاز وسلطنة نجد وملحقاتها من 1343 إلى 1346هـ، جداول، ط1، ص 32 – 33.
وتوالت الوفود، وما ذُكر آنفًا هو الوفد الأول والرئيس لقبيلة حرب، وذلك بعد شهر من وصول السلطان إلى مكة المكرمة في 8 جمادى الأولى 1343هـ، الموافق 5 ديسمبر 1924م، قادمًا من الرياض.

تلاه وفد آخر من حرب المقيمين بين رابغ وجدة إلى الإمام في مخيمه، وفي مقدمتهم: ابن حمادي، وابن جاسم، وسليمان النتاف، والمصباحي “عمي عزيز بن عبدالله”، وعطية بن عبدالعزيز، وصالح بن عجب، وحظيظ بن ختيرش، وعبدالله بن محمد، والشريف عبدالله بن عبيد، ومبروك بن مبارك بن سليم (المصدر السابق، ص 12).
كما وفد زبيد وبنو عمرو الأشراف، وكان المتقدم فيهم صالح بن عبدالله بن عسم، ومن بني عمرو الأشراف عبدالله بن ماضي ووارد بن سند.
وللاستزادة والاطلاع على محاضر البيعة وبقية الوفود من خارج محافظة خليص، يُنظر: ملامح من تاريخ قبيلة حرب للدكتور مبارك محمد المعبدي، دار البيروتي، سوريا، ط1، 1427هـ، ص (302 – 306).
ومن الجميل أن هذه الوفود لم تكن مجرد زيارات بروتوكولية، بل كانت إعلانًا عن انتقال سياسي كبير في الحجاز؛ من مرحلة الولاءات المتعددة بين الأشراف والعثمانيين والقوى المحلية، إلى الاندماج تحت سلطة الدولة الحديثة.
ومن الأسماء التي ارتبطت بتثبيت الإمارات القبلية سنة 1344هـ بعد توحيد الحجاز، وهي قريبة زمنيًا من مرحلة الوفود، وقد ظل بعضهم يمثل الواجهة القبلية والإدارية للدولة في مناطقهم:
الشيخ عطية الله بن نويهر الغانمي
الشيخ عزيز بن عبدالله المصباحي
الشيخ محمد بن حمادي البشري
الشيخ سليمان بن هادي النتاف
الشيخ حمدان بن محمد أبو حمراء الغانمي
الشيخ سريحان الجحدلي
وقد اكتفينا بذكر الشخصيات دون التفاصيل، التي لا تخرج عن اشتراطات البيعة وكفالة المقدم لقومه بالامتثال لها.
ويجيء الحفاظ على الأسماء مواكبًا للنسق الثقافي الذي يساعد على ربط الحقائق التاريخية بشخصيات محورية، ويختزل الأحداث المعقدة في سرديات يسهل تذكرها وتناقلها عبر الأجيال.
وقد كان لهذه الشخصيات شرف التمثيل عن الكيانات القبلية في مرحلة التأسيس والتوحيد، وما ترتب عليها من توريث المشيخة.
محمد علي الشيخ
مقالات سابقة للكاتب