يوم عرفة… اليوم الذي تقترب فيه القلوب من الله

ليست كل الأيام سواء…
فهناك أيام تمر في حياة الناس عابرة، وهناك أيام تهتز لها القلوب، وتفيض فيها الرحمات، وتُفتح فيها أبواب السماء على مصاريعها.

ومن أعظم تلك الأيام: يوم عرفة.

ذلك اليوم الذي يقف فيه الحجيج على صعيدٍ واحد، مجردين من زينة الدنيا وفوارقها، رافعين أكف الضراعة إلى الله، في مشهدٍ تهتز له الأرواح قبل الأبصار.

إنه يوم من أعظم أيام الإسلام، بل هو أشرف أيام عشر ذي الحجة، وأعظم يومٍ للدعاء والرجاء والانكسار بين يدي الله.

وقد قال النبي ﷺ: “الحج عرفة”.

وكأن هذا اليوم هو قلب الحج وروحه العظمى.

لكن فضل يوم عرفة لا يختص بالحاج وحده، بل هو يوم عظيم للأمة كلها:

للحاج في موقفه العظيم، ولغير الحاج في صيامه وذكره ودعائه.

حتى قال النبي ﷺ عن صيامه: “أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده”.

إنه يوم تتنزل فيه الرحمات، وتُقال فيه العثرات، وتُعتق فيه الرقاب من النار، حتى قال النبي ﷺ: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة”.

ما أعظمها من بشارة!
وما أوسعها من رحمة!

ومن أعجب ما في يوم عرفة أنه يشبه — في بعض معانيه — الموقف الأعظم يوم القيامة.

فالجمع واحد.
والتجرد واحد.
والافتقار واحد.
والقلوب متعلقة برحمة الله وحده.

يقف الناس في عرفة بلباسٍ واحد، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين شريف وضعيف، وكأن الله يذكّر عباده بالحقيقة التي سيقفون عليها جميعًا يوم القيامة:
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.

ولهذا كان يوم عرفة من أعظم الأيام التي توقظ القلب من غفلته، وتعيد للإنسان حقيقة عبوديته وضعفه وحاجته إلى الله.

إنه يوم يتجرد فيه المسلم من أوهام القوة، ويقف بقلب منكسر، وروح خاشعة، ونفس ترجو رحمة الله وتخاف تقصيرها.

ومن هنا كان الدعاء أعظم شعائر هذا اليوم.

قال النبي ﷺ: “خير الدعاء دعاء يوم عرفة”.

لأن القلوب في هذا اليوم تكون أقرب إلى الله:

أكثر انكسارًا.
وأصدق رجاءً.
وأعظم افتقارًا.

وفي يوم عرفة يتعلم المسلم معنى الإخلاص الحقيقي؛ فالحجيج تركوا أوطانهم وأموالهم وراحتهم، وجاؤوا إلى هذا الموقف لا يريدون إلا رضا الله.

إنه يوم يربّي النفس على:

التجرد لله.
والإخلاص له.
وحسن الظن به.
والافتقار إليه.
واليقين بسعة رحمته.

وما أجمل حسن الظن بالله في هذا اليوم العظيم!

فكم من عبدٍ دخل عرفة مثقلًا بالذنوب، وخرج منها بقلبٍ جديد!
وكم من نفسٍ أرهقتها الخطايا، فجاءت في هذا اليوم ترجـو رحمة الله، فعادت مطمئنةً بقربه وعفوه!

إن يوم عرفة ليس يوم خوفٍ مجرد، بل هو يوم رجاء عظيم، ويوم أمل واسع، ويوم يشعر فيه المسلم أن أبواب الرحمة أقرب ما تكون إليه.

ولهذا فإن من أعظم الحرمان أن يمر يوم عرفة على المسلم دون دعاء صادق، أو توبة خاشعة، أو لحظة صدق بينه وبين الله.

إنها ساعات قد تغيّر مصير الإنسان كله.

فطوبى لمن استقبل يوم عرفة بقلب حاضر، ولسان ذاكر، ونفسٍ منكسة بين يدي الله، يرجو رحمته ويخاف تقصيره، ويوقن أن الكريم سبحانه لا يرد من أقبل عليه صادقًا منيبًا

أ.د. مشعل بن حميد اللهيبي
أستاذ الحديث وعلومه بقسم الكتاب والسنة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *