لم تكن جبال مكة المكرمة في عين العربي يوماً مجرد شواخص صامتة من صخر، بل كانت فصولاً تُقرأ في كتاب الوجود، تنبض بالتاريخ وتفيض بالمعاني ، فقد عُرف عن العربي القديم أنه يسقط تفاصيل حياته اليومية على طبيعة الأرض من حوله، فيُشبه الجبال والمعالم التضاريسية بما يماثل أحواله، وتقلبات ظروفه، وحتى أوانيه وأدواته التي يمسكها بيده.
لقد جعل من تضاريس المكان مرآةً لحالته الاجتماعية والمعيشية، فاستعار من تفاصيل بيئته الصغيرة أسماءً لأوتاد الأرض الرواسي.
وحين يحلُّ اليوم الثامن من ذي الحجة—يوم التروية—تتجلى عبقرية المكان في أبهى صور التوافق بين اللسان والتراب؛ حيث ترتسم على أرض المشاعر خطى الحجيج وهي تغادر حِمى “الأخاشب” العاتية، صخور مكة الصلبة المصمتة التي طالما اختزلت معاني المنعة والشموخ وثبات العهد، ليمموا وجوههم شطر “الجباجب” بمنى ومزدلفة.
فما هي الأخاشب والجباجب!!؟
تشير مدونات الرحالة وكتب الجغرافيين والمؤرخين الذين عاينوا مكة المكرمة ووصفوا جبالها وتضاريسها، إلى تقسيم العرب القدامى لهذه الجبال إلى صنفين متقابلين: الأخاشب العاتية الصلبة، والجباجب الهشة المجوفة،وتتضح هذه المقابلة بين صلابة الأخاشب وهشاشة الجباجب من خلال ما يناسب كلاً منهما من المعاني والأشعار والأمثال في وجدان العربي القديم وألفاظه.
فتذكر المعاجم أن الأخشب هو الجبل الغليظ الخشن، كثير الصخور المتراصة والمصمتة مثل جبال مكة المكرمة الكبار كجبلي “أبو قبيس” و”قعيقعان”. ولأنها صخور لا تقبل القسمة على اللين، فقد وافقت الأخاشب في الوعي الجمعي معاني المنعة، العز، والثبات.
وعلى النقيض تماماً، تأتي “الجباجب” لتمثل تلك التلال والصخور الصغار بمنى ومزدلفة؛ وهي تضاريس خادعة يكون ظاهرها حجرياً خشناً وباطنها هشاً ومجوفاً. ولأجل هذه الطبيعة الفريدة، وافقت الجباجب معاني الالتجاء والسهولة، والتجمع والنزول للاستقرار كما يحدث اليوم في يوم التروية.
وايضاً جاء اشتقاق “الجبجبة” لغويًا من وحي أواني العربي وحياته اليومية، كأوعية الجلد والكرش المجوفة التي يحفظ فيها طعامه ومتاعه، كما فسرها ياقوت الحموي، وهي ذاتها منازل منى السهلة عند الإمام الحربي ولأنها تلال تحضن الناس بجوفها طلب للأمان.
وقد التقط الشعراء هذا المعنى الرخو المستقر وعبروا عنه في قصائدهم؛ فهذا الشاعر الفرزدق يلمح إلى هذا التباين التضاريسي والاجتماعي متهكماً:
تَجَبْجبتمُ من بالجَبَاجب وسرها
طَمت بكمُ بطحاؤُها لا الظواهر
بينما وقف الشاعر كُثَيِّر عزة مفتخراً فقال:
إذا النَّظَرُ وافَتْها عَلَى الخَيْرِ مَالِكٌ
وعَبْدُ مَنَافٍ والتَقَوْا بِالجَبَاجِبِ
وقد علق المؤرخ الجغرافي نصر الإسكندري (بأن الجباجب هي مواضع تجمع الناس وازدحامهم في ‘مِنى’ أثناء الحج !
ووفق ذلك قول الشاعر (في وصف المسير من أخاشب مكة المكرمة الى جباجب مشعر منى في يوم التروية؛
لَيتَ شِعري هَل أَرتَوينَّ بِمِنى .
بَينَ الجَباجِبِ وَالأَكيامِ وَالسَّنَدِ
وايضا من الشواهد الشعرية على جغرافية التجمع قول النابغة الجعدي واصفاً تلاحم الجموع في عكاظ:
تلاقى ركيبٌ منكمُ غيرُ طائلٍ
إذا جمعتْهم من عكاظَ الجباجبُ
وقد تلاقت كفتا الصلابة والرخاوة لترسما حدود الإحاطة بمكة كلها في شواهد الأمثال والآثار؛ حيث أورد المؤرخ الزبير بن بكار المثل المكي السائر الذي يجمع المعنيين: “ما بين جَبْجَبَيْها وأَخْشَبَيْها أكرمُ من فلان”. وكما ورد في الأثر أنه حين صرخ الشيطان بمنى يوم بيعة العقبة محذرًا قريشًا، نادى: “يا أهل الجَبَاجِبِ”، حيث ذهب محمد بن حبيب إلى أنها بيوت مكة المكرمة المستقرة بتلك التلال، وفسرها نصر الإسكندري كما ذكرنا انفاً بأنها مَجْمَع الناس والأسواق لسهولتها ورخاوة أرضها.
وتتجلى ذروة هذه الموازنة الجيولوجية واللغوية في ما حققه المؤرخ والجغرافي عاتق بن غيث البلادي – رحمه الله-في معجم معالم الحجاز حيث زاوج بين نصوص الأقدمين وما تعارف عليه أهل البلاد ميدانيًا ليصوغ المعادلة بدقة علمية، موضحاً أن “الجبجب” عند العرب اليوم وأهل البلاد هو كل شيء يتميز بوجود طبقة عليا مغايرة ومخالفة لما تحتها، بحيث يكون الظاهر خشنًا صلبًا والباطن أقل ثخانة وصلابة.
ويقيس البلادي ذلك بظواهر البيئة الحجازية الحية؛ كقولهم “جبجب الطين” إذا جفت طبقته العليا بفعل الشمس بعد السيل وتصدعت بينما ظل باطنه رطبًا، أو “جبجب اللبن” إذا ثخنت طبقته الدسمة العليا وبقي ما تحتها لبنًا رقيقًا خالصًا أو ما يسميه أهل البلاد “صراحًا صافيًا”.
ويختم البلادي تحقيقه مؤكدًا أن هذا الوصف ينطبق تمامًا على جبال مكة ومنى ومزدلفة الصغار وكذلك عرفة، فهي جبال حجريّة في الظاهر وهشة في الباطن، بينما يظل مسمى الأخاشب حكرًا على الجبال الكبار لشدة تراص صخورها البازلتية والنارية وامتعانها المطلق عن اللين أو التجويف.
وفي الختام نرى أن ثنائية الأخاشب والجباجب كشفت عن عمق العلاقة بين اللغة والجغرافيا والشعيرة في الثقافة العربية ، فلم تكن تسمية المكان مجرد وصف مادي، بل كانت بناءً دلالياً يوازي بين صلابة الموقف ورخاوة الالتجاء.
ويوم التروية يمثل لحظة تجسيد هذه الثنائية، حين ينتقل الحاج من صلابة أخاشب مكة إلى سعة جباجب منى، في محاكاة رمزية للانتقال من العزلة إلى الجماعة، ومن الشدة إلى السكن.
الدكتور / مهدي نفاع بن مسلم
مكة المكرمة يوم التروية ١٤٤٧ هجري
مقالات سابقة للكاتب