في وطنٍ لا يقتصر دوره على صناعة التنمية فحسب، بل يمتد لصناعة الإنسان، جاءت مبادرة “أنورت” لتؤكد أن المملكة العربية السعودية باتت تنظر إلى العمل الاجتماعي بوصفه جزءًا أصيلًا من هويتها الحضارية ورسالتها الإنسانية أمام العالم، لا مجرد نشاط تكميلي. ومن قلب هذا الحراك المتوهج، يبرز اسم مدير الإدارة العامة لمراكز التنمية الاجتماعية الأستاذ مشاري بن سليمان المرزوق، عرّاب التنمية الاجتماعية، الذي نجح بقيادة ميدانية احترافية، وبدعم وتوجيهات من معالي وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ومعالي نائب الوزير لقطاع التنمية، وسعادة وكيل الوزارة لتنمية المجتمع، ووكيلة المساعد، في تحويل مراكز التنمية الاجتماعية إلى منصات وطنية تصنع أثرًا إنسانيًا حقيقيًا خلال أهم المواسم الوطنية والدينية.
ولم تكن “أنورت” مجرد مبادرة موسمية مرتبطة بالحج، بل مشروعًا تنمويًا متكاملًا يعكس الوجه الإنساني للمملكة في خدمة ضيوف الرحمن، إذ ارتكزت على تقديم خدمات الاستقبال والتنظيم عبر المنافذ البرية والجوية والبحرية ومحطات القطار، بما يسهم في تسهيل إجراءات الدخول والتنقل، إلى جانب توفير الدعم الميداني لكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة من خلال كوادر مدربة وخدمات مهيأة تراعي احتياجاتهم، وتمنحهم تجربة أكثر راحة وطمأنينة أثناء أداء المناسك.
كما حملت المبادرة هذا العام بُعدًا اجتماعيًا أكثر عمقًا، عبر إدراج برامج توعوية وتثقيفية من خلال مراكز الإرشاد الأسري، تهدف إلى تعزيز الوعي المجتمعي وترسيخ مفاهيم التماسك الأسري، إلى جانب تقديم الإرشاد والدعم الاجتماعي لضيوف الرحمن، بما يعكس تكامل الأدوار الاجتماعية والتنموية التي تضطلع بها الوزارة خلال موسم الحج. ولم تغب فئة الشباب عن هذا المشهد، حيث أسهمت الجمعيات الشبابية في تنفيذ العديد من المبادرات المجتمعية التي عززت ثقافة المشاركة والمسؤولية الوطنية لدى الشباب السعودي.
وفي جانب العمل التطوعي، أكدت “أنورت” أن المجتمع السعودي يمتلك طاقة إنسانية كبيرة، حيث تضمنت المبادرة تنفيذ أكثر من (10) برامج وأنشطة في مواقع حيوية، بمشاركة تجاوزت (1,500) متطوع ومتطوعة، قدموا خدمات الدعم الميداني في مكة المكرمة والمدينة المنورة ومحطة قطار مكة ومطار الملك عبدالعزيز “صالة الحجاج”، في صورة وطنية جسدت قيم التكافل والعطاء والعمل الإنساني التي عُرفت بها المملكة.
كما حملت المبادرة بُعدًا توعويًا مهمًا عبر مسار مكافحة التسول، الذي ركّز على رفع الوعي بالمخاطر الاجتماعية والاقتصادية والأمنية لهذه الظاهرة، والتعريف بالعقوبات النظامية المرتبطة بها، مع توجيه ضيوف الرحمن نحو وسائل التبرع الرسمية ومنصات الدعم المعتمدة، بما يسهم في الحفاظ على بيئة آمنة ومنظمة في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة.
إن نجاح “أنورت” لا يتمثل فقط في جودة الخدمات المقدمة، بل في قدرتها على تقديم نموذج وطني قابل للتوسع في مختلف مناسبات الدولة ومواسمها الكبرى، وأن تكون مثالًا للقطاعات المختلفة، سواء القطاع العام أو الخاص أو غير الربحي، لتقديم مبادرات مماثلة في مواسم الحج والعمرة وغيرها من المناسبات المختلفة، مثل موسم الرياض واليوم الوطني والمئوية والأعياد والأيام العالمية، لتصبح المبادرة بمثابة اللبنة الأولى التي يمكن أن تنطلق منها شراكات كبرى بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي تحت مظلة المسؤولية الاجتماعية والتنمية المستدامة.
وفي الختام، ليست كل المبادرات قادرة على أن تترك أثرًا في الذاكرة الوطنية، لكن “أنورت” استطاعت فعل ذلك بامتياز، لأنها لم تكن مجرد تنظيم للمواسم، بل رسالة تؤكد للعالم أن المملكة حين تخدم الإنسان، فإنها تخدمه بقلب وطن كامل. وبين ضجيج الحشود ومواكب العابرين إلى المشاعر المقدسة، ظل هناك نور مختلف لا يُرى بالعين فقط، بل يُشعر به في تفاصيل الرحلة الإنسانية التي صنعتها “أنورت”، لتؤكد أن التنمية الاجتماعية حين يقودها المخلصون، تتحول حقًا إلى ضوءٍ وطني لا ينطفئ.
مقالات سابقة للكاتب