حين تصبح الرواية ملجأ العاجزين عن المعرفة

في السنوات الأخيرة أصبح الطريق إلى لقب روائي أقصر من طريق الوصول إلى مكتبة عامة لم يعد الأمر يحتاج إلى مشروع فكري ولا تجربة إنسانية عميقة ولا حتى حداْ أدنى من الاطلاع والمعرفة بل يكفي أن يمتلك أحدهم حساباْ نشطاْ في وسائل التواصل وصورة شخصية بالأبيض والأسود وكوب قهوة بجانب كتاب لم يقرأه أصلاْ ثم يعلن فجأة أنه يعمل على رواية ستغيّر المشهد الثقافي.

ولو فتشت خلف هذا الضجيج لاكتشفت أن بعضهم لم يقرأ من الروايات إلا أغلفتها ولم يعرف من الأدب سوى الاقتباسات التي تُنشر فوق صور الغروب ومع ذلك يتحدث بثقة عن تفكيك البنية السردية والاشتغال على الهامش الإنساني وكأنه خرج لتوّه من ندوة مع دوستويفسكي ونجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف.

المضحك أن كثيراْ من هؤلاء لم يأتوا إلى الرواية حباْ فيها بل هروباْ من شيء آخر فبعضهم جرّب كتابة المقال فعجز لأن المقال يحتاج فكرة ومعلومة وبناءً منطقياْ وقدرة على الإقناع وجرّب البحث المعرفي فاكتشف أن القراءة ليست مجرد تصوير رفوف الكتب ونشرها في الستوري وجرّب الحديث في القضايا الفكرية فسقط سريعاْ أمام أول سؤال جاد ثم وجد في الرواية باباْ واسعاْ يستطيع أن يكتب فيه أي شيء عن أي شيء دون أن يحاسبه أحد

وهنا تبدأ الكارثة.

فالرواية عند بعض الكتّاب الجدد تحولت إلى مستودع للهروب من الجهل المقنّع بالأدب شخص لا يملك ثقافة تاريخية يكتب رواية تاريخية وآخر لا يعرف شيئأْ عن النفس البشرية يكتب رواية فلسفية وثالث بالكاد يكوّن جملة سليمة ثم يحدثك عن التجريب السردي حتى أصبح القارئ أحياناْ يشعر أنه لا يقرأ رواية بل يشاهد شخصاْ يتعثر باللغة على مدى مئتي صفحة

ولأن السوق الثقافي اليوم تحكمه الضوضاء أكثر من الجودة ظهر جيل كامل يظن أن النجاح الأدبي يُقاس بعدد حفلات التوقيع والصور مع المعجبين لا بقيمة النص نفسه بعضهم يكتب رواية كل ستة أشهر وكأن الرواية وجبة سريعة تُطهى على عجل بينما كبار الروائيين الحقيقيين كانوا يعيشون سنوات طويلة داخل أعمالهم قبل أن يخرجوها للناس.

والأدهى من ذلك أن هناك من يتعامل مع الرواية باعتبارها أقصر طريق إلى النجومية الثقافية فلا هو باحث يملك مشروعاْ معرفياْ ولا ناقد يمتلك أدوات التحليل ولا مفكر لديه رؤية فيقرر أن يصبح روائياْ لأن الرواية اليوم أكثر قابلية للتسويق وأكثر قدرة على صناعة الأسماء السريعة خصوصاْ في زمن أصبحت فيه بعض دور النشر تطبع أي شيء مقابل المال حتى لو كان النص يصلح لكل شيء إلا أن يكون أدباْ.

ومع ذلك الإنصاف واجب.

فالرواية ليست متهمة هنا ولا الروائيون الحقيقيون موضع سخرية. الرواية فن عظيم ومعقّد وهي من أرقى أشكال التعبير الإنساني حين تقع في يد كاتب يمتلك المعرفة والخيال والخبرة والقدرة على بناء الشخصيات وفهم الإنسان والحياة. ولذلك بقيت أسماء كبيرة خالدة لأنها لم تكن تكتب من فراغ بل من تراكم ثقافي وتجارب إنسانية ووعي عميق باللغة والمجتمع والتاريخ.

المشكلة ليست في الرواية بل في أولئك الذين دخلوها كما يدخل البعض متجراْ فاخراْ لالتقاط الصور فقط يرتدون هيئة المثقف دون أن يحملوا شيئاْ من ثقافته ويتحدثون عن الأدب وكأن الأدب مجرد شهرة ومهرجانات وتوقيعات وعدسات كاميرا.

ولهذا لم يعد غريباْ أن تقرأ أحياناْ رواية كاملة ثم تخرج منها بلا فكرة بلا أثر بلا دهشة وكأن الكاتب كان يكتب فقط ليقول للناس أنا موجود لا لأنه يملك ما يستحق أن يُقال.

لأن الرواية في النهاية ليست مكاناْ يختبئ فيه العاجزون عن المعرفة بل فن لا يرحم من يدخل إليه بلا وعي وثقافة وأدوات حقيقية.

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “حين تصبح الرواية ملجأ العاجزين عن المعرفة

أحمد بن مهنا الصحفي - أم الجرم

فعلا .. كُثرت الأوراق ! وراج سوق بيع الأحبار ..
الرواية مشاعر وإجادة تعبير وقوة تأثير ونوع له ميزة وصفة تخصه، الرواية صوت أجش يقرأ ، أو رخيم يخشع ، أو ذو تنغيم يدهش ، الرواية صور تقرأ ، وأدب يُمتع…
شكرا لك أيها الكاتب .. الأديب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *