عندما تحاول أن تستذكر يوم ولادتك تجد انك لا تتذكر شيء، وهذا بسبب ضعف الإنسان ذاك المخلوق العجيب الضعيف.
ولما تفكر في وجودك تجد ان الله تعالى قال في مطلع [سورة الإنسان]:
{ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا }
نعم الإنسان لم يكن موجوداً على وجه الأرض ولم يكن مذكوراً، فأمتن الله عليه بإيجاده، بأن خلقه من لا شيء، لم يكن له شرف ولا رفعة ولا حسب ولا نسب ولا جاه ولا مال.
وكان من الحكمة البالغة من هذا الوجود أن يعلم هذا الإنسان، ويدرك من الذي خلقه ولماذا خلقه وما هو مصيره، واعطاه الله سبحانه وسائل العلم والمعرفة وأنزل عليه كلامه بواسطة رسله بالوحي، فقام هؤلاء الرسل يخبرون الناس بمضمون هذه الكلمه :
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ}.
فعلمهم الله بنفسه بإنه لا معبود سواه ولا رب إلا إياه واراد الله من الناس ان يحيوا على “لا إله إلا الله” ويموتوا عليها وان تكون لهم هذه الكلمة، منهج حياة، حتى ختم الله هؤلاء الرسل بمحمد بن عبدالله القرشي صلى الله عليه وسلم، بأن بعثه الله من جزيرة العرب التي كانت قبل بعثته في ظلام دامس إلا بقايا من ملة إبراهيم الحنيفية السمحة.
كانت جزيرة العرب مجمع لبعض الديانات والوثنيات كان اليهود في المدينة والنصارى في نجران والفرس على الحد الشرقي والروم على الحد الشمالي من جزيرة العرب، وكان هناك وأد البنات وشرب الخمر وعبادة الأصنام.
لقد كان الرجل يبني صنمه بيده من التمر فإذا جاع أكل إلهه، وكانت العادات الجاهلية شائعة بين الناس، وكان بين هؤلاء العرب حروب طاحنة، دامت هذه الحروب سنوات حرب داحس والغبرا وحرب البسوس تقوم حرب وتخمد حرب.
قال الله تعالى:
{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.
وقال:
{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
لقد ألف الله قلوب هؤلاء العرب بالإسلام أصبحوا اخوة الإيمان كالجسد الواحد، حتى أصبحوا يتقاسمون المال فيما بينهم، كما في حادثة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وعاشوا بين الترك والتضحية، ترك الجاهلية والتضحية من أجل نشر دين الله تعالى في الآفاق، حتى دخل الناس في دين الله افواجا، لا فروق بين الناس إلا بالتقوى.
لقد أصبح الإسلام مثل الميت المحمول على النعش فوق اكتاف الرجال، كل رجل يسلمه للذي أمامه حتى يصل لمكانه ومأمنه، فلقد قام صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته بحمل الأمانة وتبليغ الإسلام، ولقد سمعنا عن دخول الإسلام لاندونيسا عن طريق تجار من اليمن، تعاملوا مع الناس بأخلاق الإسلام في البيع والشراء، فأنجذب الناس لهذا الدين، حتى أصبحت إندونيسيا أكبر بلد مسلم.
وهذا يذكرني بالرجل اليهودي الذي يسكن قريباً من دار الرسول صلى الله عليه وسلم وكان يضع القمامة عند باب الرسول صلى الله عليه وسلم وكلما خرج من بيته رأي هذي القمامة أمام بابه فيحملها ويبعدها عن الباب، فلما اشتكى هذا اليهودي واصيب بمرض جعله طريح الفراش، ذهب له النبي صلى الله عليه وسلم لزيارته، فقال: كيف عرفت يا محمد اني مريض، فقال لقد فقدت الأمانة التي تضعها كل يوم أمام باب بيتي.
فخجل اليهودي وبكاء وقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله.
لقد كان الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعلمون ماهي هذه الأمانة التي يضعها اليهودي؟
لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم جرح مشاعر هذا اليهودي أمام الصحابة قال الله تعالى:
{ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}.
والحمد لله رب العالمين.
مقالات سابقة للكاتب