بين “نظرةٍ ونبرة” تولد الحكايات

كانت تلك النظرة يداً حانية امتدت إلى قلبه، تربت عليه بنبض رقيق، ثم استقرّت في بُطينَيه وأذَينَيه الأيمنين والأيسرين.. عيناها الجميلتان، قصةٌ كاملة، فيها دهشة البدايات وارتباك الاعتراف، وفي انحناءة حاجبيها وعدٌ لا يمكن وصفه، ولكنه يُفهم من بين السطور !

توقّف عندها.. يتأمل لوحة الإبداع الرباني، وتمنى أن يقتنيها.. وحدثته نفسه بلا صوت : هذا الحسن ثمنه غالٍ.. كانت تقف شامخةً كأنها جميلة من جميلات نجد، فانصرف وهو يتمتم : لا تطمح في الثمين فقيمته تفوق توقعاتك ! ولكنه ألقى عليها تعويذته بكلمات يسيرة، لأن روحه سبقت قراره، وحبه جدّد إصراره.

وقد أنشدتُ مرة فقلت :

عيناكِ لو نظرتني ذبتُ من ولهٍ
فكيف بالثغر لو أسقى بسُكّره

*********

وإن من حاجبيها السيفَ متخذٌ
جمالَ مَيلته ونظامَ عسكره

*********

ومشمشُ الخدّ مفتونٌ به نظري
حلوُ اليُنوع بديعٌ في تكوّره

وفي الجهة الأخرى، لم يكن صوته حنجرة وهواء.. كان دفئاً يتسلل إلى قلبها بهدوء، كأن كل حرفٍ ينطقه يعرف طريقه إليها.. نبرته وهو يتحدث إليها بكلمات مختصرة جداً؛ كعزف الألحان على أوتار قيثارة.. لامست شيئاً عميقاً فيها، شيئاً لم تكن تعرف أنه ينتظر هذا الصوت تحديداً .. فأحبّ عينيها في (نظرة) وأحبّت صوته في (نبرة).

وهكذا، دون اتفاقٍ مسبق، التقيا في منتصف الطريق؛ هو أسير نظرة، وهي رهينة نبرة.

وما أجمل أن يُؤخذ القلب بلا تكلف.. أن يبدأ الحب خفيفاً كلمحةٍ ونغمة، ثم يكبر حتى يصبح أوطان العالم كلّه.

قصة غرام فيها نعومة ذكية.. “نظرة ونبرة” كلمتان لطيفتان، ثنائية لو انكتبت صارت توقيعاً خاصاً، وشيئاً يُحفظ كسيمفونية موسيقار ، وكأنّ العيون تُبصر ما تعجز عنه الكلمات، وكأنّ الأصوات تقول ما تخفيه القلوب.. فالتقيا على موعدٍ مكتوب لقاءَ الأكابر ، وعلى قدرٍ جميل قرر أن يبدأ الحكاية بنظرةٍ فنبرة.

سأقلل من الجماليات الأدبية هنا، فالجمال أحياناً في الإيجاز .. ولا أرى داعياً لأن تتباهى كل العبارات .. فبعضها لو همست وكأنها لمست، وبعضها لو نظرت أسرت.

هكذا هي البدايات، عينانِ نضّاختان.. وحنجرة تعزف ألحان ناي ..

وفي هذا قلتُ :

سائليني يا مناي
عن حنيني وهواي

********

عن أنين راح يعلو
حاكياً ألحان ناي

********

كلما جلجلت أدعوكِ
ترددتِ صداي

********

كيف أخشى من قضاي
طالما ( إنتي معاي ).

 أحمد القاري
المدينة المنورة
a.a.qari@hotmail.com

مقالات سابقة للكاتب

11 تعليق على “بين “نظرةٍ ونبرة” تولد الحكايات

د.أحلام

(قصة غرام فيها نعومة ذكية)……
سلمت أناملك على هذا المحتوى الجميل المبهر الفتّان✨

احمد الزيلعي

كيف لي أن انتضر اعزوف الناي هاذ وكيف لي ان أبحر بين حروف الوصف و العزف و الجمال حروف من الحرير منظومة في كل بيت و شطر معاني من ادب
لك كل الود

طارق بن زياد

دائما ابداعك يزيد في توهجه
جميل جدا
ننتظر دائما ما تسقي اسماعنا وذائقتنا به.

مكمد النيازي

ماشاءالله تبارك الرحمن. للامام دوماً يا دكتور المدينه ز🌸🩷🤲🏻🤲🏻🤲🏻🤲🏻🌸🩷💚

غير معروف

عندما تهندس اللغة يكون الابداع والتميز
وهكذا عندناكم

منى العلوي

أديبنا وشاعرنا المميز أحمد نصّك يشفُّ عن حس مرهف وبصيرة تُجيد التقاط اللمحات العابرة فتُخلّدها معنى. جعلت من النظرة نبوءة، ومن النبرة اعترافًا مؤجّلًا، فانبثقت الحكاية رقيقة كهمس لا يقاوم .

ولعلّ ما زاد النص بهاء ذلك الشعر المنسوج في ثناياه؛ جاء كضوء يزين النص ولا يثقله ، ويمنح المعنى امتدادًا أعمق وأشد وقعًا في النفس. معناه كان منسجمًا، كأنّه نبض آخر للحكاية.

امضِ في هذا الدرب؛ فلغتك تعرف طريقها إلى القلوب دمت بود

عدنان أحمد السقاف

نظرةٌ… ونبرةٌ… حيثُ يبدأُ القلبُ بالكلام

ما أرقَّ هذا النصَّ، وما أجملَ هذه الثنائية: «نظرةٌ ونبرةٌ»؛ فقد استطاع د. أحمد القاري أن يلتقط لحظة الحب الأولى من جناحيها الخفيين: عينٍ تُبصر قبل أن تنطق، وصوتٍ يلامس قبل أن يصرّح.

هذا النص لا يكتب حكاية غرامٍ فحسب، بل يرسم ولادة الشعور حين يأتي عفويًّا، بلا ترتيبٍ ولا ادّعاء؛ حيث تصبح النظرة رسالةً، والنبرة اعترافًا، والصمت بينهما ميثاقًا لا يحتاج إلى شهود.

جميلٌ هذا المزج بين السرد والشعر، وبين رهافة العبارة ودفء الصورة، حتى بدا النص كأنه مقطوعة وجدانية تُقرأ بالعين وتُسمع بالقلب.

سلم قلمك المبدع د. أحمد؛ فقد جعلتَ من «النظرة» بدايةَ حكايةٍ، ومن «النبرة» وطنًا للحنين.

م.رهف

استاذنا وقدوتنا د.أحمد
قرات مقالك نظرة ونبرة وكأني اقرا سيمفونية ادبيه واكثر مالفتني استحضارك لشموخ جميلات نجد فنجد بكل ما فيها من اصاله وهيبة وجمال تمثل جوهر هويه لاغنى عنها يضرب بها الامثال ممتنة لروحك المعطاءة ولإشراكنا مقاله في هذا الجمال ادام الله عليك فيض الابداع🌷

فاطمة الهاشمي

كلام فيه رقة أندلسية وقوة حجازية
يبحث القريء من خلاله عن المحبوب وماهيته
عبارات تشعل العقل والقلب
قمة في الرقة والإتقان
بورك القلم ورب القلم

فاطمة الصباح

بين النبرة والنظرة يختبىء الصمت ليرتب ارتباكنا على هيئة شعور
بين النظرة والنبرة عينُ تبدأ الحكاية وصوتُ يُكمل

د. أحلام كردي

قصة غرام فيها نعومة ذكية..
جميل أسلوبك أ. أحمد القاري في الكتابة شيق وسهل الفهم، وحبكة الكلمات ناجحة جداً بفضل إيقاعها المتقن.
قرأتك فحلقت في آفاق الجمال والعذوبة.
سلمت أناملك على هذا المحتوى الجميل المبهر الفتان✨

د. أحلام كردي
المدينة المنورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *