🖋️لقد أحسن القائمون على ندوة الشيخ عبدالله العقيل – رحمه الله – أيما إحسان ؛ بإستضافة قامة من قامات العلم ، ورجلٌ من رجالات الدولة ؛ وعالمٌ من العلماء العاملين والراسخين في العلم والمعرفة والدعوة ؛ ألا وهو شيخنا العلامة معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ – حفظه الله – في لقاء ماتع ، ومجلس عامر ، بالحديث عن أهم كتابين ، والمصدر الثاني ، من مصادر التشريع الإسلامي ، السنة النبوية ، وهما “الصحيحان” البخاري ومسلم :
بينَ”الصحيحين”تغدو في خمائلها
كَمَا غَدَا الطَّلُّ فِي إِشْرَاقِهِ الضَّافِي
وقد عقد شيخنا في هذا اللقاء موازنة ماتعة بين البخاري ومسلم من خلال التعريف بالحديث الصحيح ، وذكر عدة مسائل وفرائد تتعلق بذلك أجملها في النقاط التالية:
🔹تعريف الحديث الصحيح وشروطه:
ذكر شيخنا بأن كتب علوم الحديث ، وكتب المصطلح عند المتأخرين ، ترجع إلى أنَّ الحديث الصحيح هو “الحديث الذي أتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ، وكان سليماً من الشذوذٍ والعلَّة القادحة”.
فالحديث الذي اتفق على تسميته حديثاً صحيحاً هو ما كان بهذه الأوصاف عند المتقدمين والمتأخرين .
– شروط الحديث الصحيح:
١- اتصال السند .
٢- عدالة الرواة .
٣- الضبط والإتقان .
٤- السلامة من الشذوذ .
٥- السلامة من العلل القادحة .
🔹تعريف موجز بأصحاب الصحيحين:
– الإمام البخاري – رحمه الله – هو أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بَردِزْبَه البخاري الجعفي ، مولاهم ، المولود سنة (١٩٤هـ) والمتوفى سنة (٢٥٦هـ).
– الإمام مسلم – رحمه الله – هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القُشيري – من أنفسِهم – النيسابوري .
وقولي: “من أنفسهم” تعبيرٌ على أنه من بني قُشير صَلِيبةً ، وليس بالولاء ، وبنو قشير موجودون بين الباحة والطائف ، فهو عربيٌ من الجزيرة ، ولذلك تجد في خُطبته في أول كتابه ، في مقدمة كتابه ، القولَ الفصيح العالي ، وكأنَّ محمد بن إدريس الشافعي المكي هو الذي يتكلم.
🔸عناوين الصحيحين:
انتدب البخاري نفسه لجمع كتابه العظيم الذي أسماه: “الجامع المسند الصَّحيح المختصر من أمور رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم وسننه وأيَّامِه”.
وهذا الإسم هو اسمُ كتاب البخاري.
ومسلمٌ قريبٌ منه ، سمى كتابه: “المسند الصَّحيح المختصر من السُّنن بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم”.
🔹أهمية مقدمة مسلم:
مقدمة “الصحيح” مهمَّة ، لازم تقرؤونها ، فيها من العلم الكثير الكثير .
🔸أهمية “الصحيحين” وشروطهما:
وهما كتابان عظيمان ، واشتراطُهما للصِّحة في الحديث متقاربٌ للغاية ، وبينهما اختلافٌ في شروط الصحة عند البخاري ، يعني: فيما يصحُّ فيه الحديث ، سواءٌ في المتن أو في الرِّجال .
البخاري له طريقة ، ومسلم له طريقة ، وهو مايُسمَّى عند أهل العلم : الخلاف في الإسناد المُعنعن ، لمن صحَّت صحبتُهما والتقاؤهما ، ولم يرد في حديث أنه سمع منه .
البخاري شرطه كشرط علي بن المديني ، وهو الذي ذكره علي بن المديني – وهو شيخ البخاري – في كتابه ” العلل ” ، وهو موجود مطبوع .
ذكروا أنه لا يمكن أن نقبل الرواية – لأنها أمانه إلّّا أن يكون الراوي قد نُقل أنه سمع من شيخه ، لا بدَّ أن يكون معروفاً أنَّه عاصره والتقاه .
أما مسلم فيقول : لا ، يكفي أنَّه عاصره ، أنَّهما كانا في زمانٍ واحدٍ ، هذا في مكة وهذا في المدينة .
أما البخاري فيشترط أن يكون هناك لقاءٌ ومصاحبة طويلة وسماع ، ومصاحبةٌ طويلة ، قيلت بالإستنتاج ، ولكن في الأكثر : مصاحبةٌ وتأكُّد .
🔹تبويب وترتيب الصحيحين :
و ” صحيح مسلم ” رحمه الله تعالى كتابه مرتب على شكل كتب ، وليس أبواباً ، يعني مثلاً : كتاب الإيمان ، كتاب الصَّلاة ، كتاب الزَّكاة ، كتاب الإمارة لكن بعد ذلك ليس فيه تبويب .
والتبويب الذي عندكم في الطَّبعات ممَّا أُدخل على ” صحيح مسلم ” ، أدخله محمد فؤاد عبدالباقي تبعاً ليحيى إبن شرف النووي ، وتبعاً للقاضي عياض ، وشارحي مسلم أدخلوا تبويبات تيسيراً .
أما البخاري فإنَّه يقطِّع الأحاديث ، يعني : الحديث الواحد تجده في سبعة مواطن ، مثل حديث : ” إنما الأعمال بالنٍّية ، وإنَّما لامرئ مانوى ” ، افتتحا به ” صحيحه ” ، وأورده في سبعة مواضع في الكتاب لماذا؟ لأنَّ البخاري أراد بكتابهِ : فقهَ السُّنن .
فإذن : البخاري كتابُ علم ، وكتابُ فقه .
نقول : البخاري كتابٌ أقعدُ في ضبط الأسانيد والمتون ، ومعرفة العلَّة .
أمَّا مسلم فقد جعل كتابهُ مقسماً على ثلاث طبقاتٍ – كما قال في المقدِّمة – ، فيورد في الأصول الأحاديث المضبوطة السَّالمة ، التي هي في علِّيَّة الإتقان والضَّبط والسَّلامة ، ثم يأتي ثانياً بما هو أقل منها ، متوسِّطة ، ثمَّ الثَّالثة بالمنكر والمطروح لبيان معناه .
لكنَّه عند التَّأليف لم يورد إلَّا القسم الأوَّل والثَّاني ، الذي يسمِّيه العلماء : الفصول والشَّواهد .
🔸خُلُوْ ” الصحيحين ” من المراسيل إلَّا ما ندر :
فـ”صحيح البخاري” و “صحيح مسلم” ، كما هو ظاهرٌ من الإسم ، ليس فيهما مراسيلُ ولا مقاطيع ، يعني : لم تكن مقصودةً بالتَّأليف ، وإن وُجد في البخاري بعضها تعليقاً ، ووُجد في مسلم ستّة أو نحوها من المقاطيع .
🔹منزلة و مكانة “الصحيحين” :
أجمع العلماء أنَّ ” صحيح البخاري ” فاقَ “صحيح مسلم”
في الصِّحَّة ؛ فـ البخاري أصحُّ من ” صحيح مسلم ” ، ومسلم أفضلُ في التَّرتيب ، لكن في الصِّحَّة : البخاري دقيق ، دقيق ، ولا يورد إلَّا الطَّبقة العليا من أهل الضَّبط والإتقان فيما رووه ، وليس المقصود أهل الحفظ فقط ؛ بل أهل الضَّبط والإتقان فيما رووه .
وهذه المسألة كتب فيها الحافظ بن رُشيد الفِهري السَّبتي كتابه الجميل الممتع – ممتع لا تملُّ منه – وهو كتاب “السًنن الأبين في المحاكمة بين الإمامين في السَّند المعنعن ” .
🔸 علم البخاري بـ”العلل” :
والبخاري أعلمُ من مسلم بعلل الأحاديث .
جاء مسلمٌ إلى البخاري مرَّة وحدَّث عنده بحديث كفَّارة المجلس ، وقال : إنَّه صحيح . فقال البخاري : فيه “علَّة” . يقولها لمسلم .
فاطَّرح مسلمٌ بين يدي البخاري ، وقال : ” يا أستاذ الأستاذين ، ويا طبيب الحديث في علله ، أفدني ” . فبيَّن له علَّته .
فصدر عنه وهو تلميذه ، تلميذه مدةً طويلة ، لازمَه وأخذ عنه .
البخاري فاق نظراً في معرفة العلل وتجنيبها للصَّحيح ، وأمَّا مسلمٌ فلم يكن بذاك القدر ، يعني : هو في القمَّة ، هو عالمٌ حافظٌ بالعلل ، وله كتاب ” التَّمييز ” ، لكن ليس بقدر البخاري في ذلك .
ولذلك أورد أحاديث لا يزال العلماء يحكمون بأنَّ فيها عللاً مثل حديث الجسَّاسة حديث تميم المعروف .
فالبخاري في العلل لا يتسامح بعلَّةٍ في السَّند ، ولا بعلَّةٍ في المتن . هذا فيما اتَّصل سنده .
🔹 عناية العلماء بـ”الصحيحين” :
ومعلومٌ أنَّ ” صحيح البخاري ” مرويٌّ ، رواه عنه جماعةٌ كثيرون عن البخاري ، أشهرُهم الفِرَبْري ، وقد رواه عن البخاري ، والفِرَبْري قرأهُ على الإمام البخاري عدَّةَ مرَّات ، وسمعه منه مرَّاتٍ كثيرة ، وجماعةٌ غير الفِرَبْري ، وحمّاد بن شاكر ، وله زياداتٌ في رواية البخاري على الفِرَبْري معروفة . وعن الفِرَبْري – لأنَّه تأخَّر عمره – رواه جمعٌ ، ثمَّ جمعٌ ، ثمَّ جمعٌ ، واشتهر في الأمَّة برواية الآلاف عن الآلاف رووا “صحيح البخاري” .
أمّا ” صحيح مسلم ” ، فهو من حيث الرِّواية أضعف من “صحيح البخاري” .
هو صحيحٌ مدوَّن ، وقرأهُ وراجعَه تلميذُ الإمام مسلم ، وهو الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان ، قرأه وراجع عليه من أوَّله إلى آخره ، ولكن فاته منه ثلاثة مواضع ، مواضع لا أحاديث ، بعضها صفحتان أو ثلاث ، وبعضها خمس ، وبعضها أكثر ؛ مَلْزَمة لم يروها عن مسلم ، وإنَّما أخذها وِجادة ، أخذها إجازةً بالنًّقل ، لكن لم يروها .
أمَّا البخاري فليس فيه حديثٌ إلَّا مرويٌّ بعددٍ كبيرٍ من أهل العلم ، وكلُّ حديثٍ فيه ، حتَّى بالزِّيادات التي رواها حمَّاد بن شاكر ، مرويةٌ عنه بعددٍ من الروايات .
ومع أنَّ أصل البخاري -أصل البخاري بعد ما قرأه الفِرَبْري- كلُّ هذه القراءات سلَّمه له ، أصل البُخاري الذي بيده سلَّمه له ، وظلَّ الفِرَبْري يحدِّث به أربعين سنة أو أكثر ، وهو يحدِّث به عن البخاري .
🔸 الطعن في الصحيحين :
أجمع المسلمون على أنَّ مَن طعن في ” صحيح البخاري ” أو في ” صحيح مسلم ” فإنَّه يتَّهم في دينه ، يعني : طعن في الكتاب جملةً .
وأمَّا من قال : ” الحديث الفلاني فيه شيء ، الحديث الفلاني معارَض ، الحديث الفلاني … ” فهذا يُجاب بالعلم فيما يتعلّق بهذه الأحاديث .
أمَّا الطَّعن بهما جملة ، أو بأحدهما جملة ، فهو من صنيع أهل الإلحاد والزَّندقة .
والدِّفاع عن البخاري واجبُ الدِّين ؛ لأنَّ الإسلام ما هو ؟ القرآن والسنَّة ، وأعلى ما في السنَّة : ” صحيح البخاري ” و ” صحيح مسلم ” .
🔹 خاتمة الموازنة :
إذن هذه الموازنة تُعطيك أنَّ أهل العلم في حفاوتهم ب “صحيح البخاري” و “صحيح مسلم” حفاوةً عظيمةً جداًّ ؛ لأنَّ هذين الكتابين قد فَلاهما العلماء حديثاً حديثاً ، وراوياً راوياً ، وأظهروا كلَّ ما فيهما .
فصار أمرُ أهل العلم جميعاً في الأمَّة ، من جميع المذاهب، ومن جميع الفئات من أهل السُّنَّة ، أنَّهم أقرُّوا لهذين الكتابين بالصِّحَّة على غيرهما من الكتب ، وأنَّهما أصحُّ الكتب عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم .
وهذا إجماعٌ من أهل العلم ، ليس إجماعَ زمنٍ ، بل زمنٌ عن زمنٍ ، عن زمنٍ ، عن زمنٍ .
ومسلمٌ ما له إلَّا هذه الرِّواية ، ويرويه أهلُ المغرب روايةً أخرى ليست مثل رواية إبراهيم بن محمَّد بن سفيان ، وهي رواية القابسي ، وهي موجودة ، ولكن ليست بهذه القوَّة .
ويرويها أهل مصر عن القابسي .
وأمَّا رواية إبراهيم فهي التي عليها مدار رواية مسلم ، والشُّروح ، والنَّقل ، والاعتماد ، إلى آخره .
إذن تلخَّص لنا أنَّ ما أجمع عليه العلماء من أنَّ الحديث الصَّحيح الحجَّة عن النَّبيِّ صلّ الله عليْهِ وسَلّم هو : ما اتَّصل إسنادهُ بنقل العدل الضَّابط عن مثلِه – يعني عن العدل الضَّابط – ألى منتهاه ، من غير ما شذوذٍ ولا علَّةٍ قادحة .
فهو على الغاية في ” صحيح البخاري ” ، وهو على الغاية التي هي أقل من الغاية الأولى في ” صحيح مسلم ” .
وفي نهاية هذا المجلس المبارك من مجالس العلم والحديث أشكر شيخنا معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ على هذا الإثراء العلمي النافع عن الموازنة بين “الصحيحين” ومكانتهما ، وعن عناية الإمامين البخاري ومسلم في إنتقاء الأحاديث الصحيحة .. فكم إشتقنا للقاء شيخنا .. ولمجالسه العلمية .. ولحديثه العذب:
مجالسُ العلمِ تروي كل قصتنا
إن قلتَ حدثنا يحيى وسفيانُ
🔘*إضـــــــ💡ــــــــاءة*:
أثر عن ابن عباس – رضي الله عنه – : “أنه كان يختم مجالسه بالشعر” ، وقد بعث إليَّ أخي الأستاذ الشاعر عبدالمجيد العُمري هذه القصيدة والتي كتبها بمناسبة لقاء شيخنا – حفظه الله – في هذه الندوة المباركة ويقول في مقدمتها:
إنَّ من أجمل الوفاء أن يُخلد ذكر العلماء بالشعر أو النثر ، وأحسب أن معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن محمد آل الشيخ ممن يستحقون تخليد ذكرهم والتعريف بفضلهم ، فهو قامة علمية وفكرية فذة ، والحديث عنه هو حديث عن إرثٍ علمي عريق يمتد بجذوره في التاريخ ، ممتزجاً بعقلية معاصرة ومنضبطة.
في ندوةٍ للشيخ ابن عقيل
نحظى بكل مبجلٍ وجليلِ
*********
كالشيخ صالح من تسامى قدره
بالعلم نحسبهُ إمام الجيلِ
*********
في الفقه والتوحيد كان مبرزاً
وبسنة الهادي وفي التنزيل
*********
حازَ المَعارِفَ كابِراً عَنْ كابِرٍ
فِي مَنْبَتٍ لِلْمَكْرُماتِ أَصيلِ
*********
هذا سَلِـيلُ الشيخِ مَنْ شادُوا الهُدى
بالبر والتقوى بلا تضليلِ
*********
عَقْلٌ رَزينٌ فِي المَواقفِ حازِمٌ
وَلِسانُ صِدْقٍ صاغَ كُلَّ جَميلِ
*********
يَبْنِي الفُهُومَ عَلى قَواعِدِ مَنْ مَضَوْا
بِتَـفَـكُّـرٍ وَتَـدَبُّـرٍ و دليلِ
*********
يَسْقِي العُقُولَ مِنَ البَيانِ نَميرَهُ
كالنهرِ إرواءً لِكُلِّ غَليلِ
*********
للهِ دَرُّهُ مِنْ حَكـيـمٍ ناصِـحٍ
أَحْيا بِعِلْمِهِ مَنْهَجَ التَّأصيلِ
*********
يا ربِّ بارِكْهُ وَسَدِّدْ خَطْوَهُ
وَفِّقْهُ يا رَبِّي لِكُلِّ فَضيلِ
*********
خالد بن محمد الأنصاري
٢٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ
١١ مايو ٢٠٢٦م
بمكة بلد الله الحرام

مقالات سابقة للكاتب