ما أجمل الإنسان حين يكون مؤلفًا للقلوب، قريبًا من الأرواح، يترك في النفوس أثرًا طيبًا لا تمحوه السنين، وما أصعبه حينما يبخل بمشاعره وودّه، فإذا انتهت المنفعة أو أنفض الحضور، انقطع حبله، وانطفأ ودّه، وكأنّ الأيام التي جمعته بالناس لم تكن شيئًا مذكورًا.
إنّ الشحَّ بالمشاعر ليس نقصًا في الذوق الاجتماعي فحسب، بل هو صورةٌ من صور الجفاء، وتجاهلا صامتا لحقِّ القرابة أو العِشرة، وتقصيرا في حقِّ محسني التعامل. فالنفوس الكريمة تحفظ المعروف، وتبقى على العهد وإن تباعدت الأمكنة، أمّا النفوس الضيقة فإنّها تستهلك الجهد والوقت ثم تمضي، لا تحفظ ودًّا، ولا ترعى حقًّا، ولا تعرف للصحبة قدرا.
وكم في الحياة من أشخاصٍ لم تجمعك بهم إلا مواقف عابرة، غير أنّهم بقوا أوفياء للصلة، يسألون عند الغياب، ويهنئون في المناسبات، ويطرقون أبواب الودّ بكلمةٍ طيبةٍ أو دعوةٍ صادقة، فيحيون في النفس معنى الوفاء، ويؤكدون أنّ الكرام لا تقطعهم المسافات، وهناك أناس يأتون متأخرين إلى حياتك رائعين جدا لدرجة تجعلك تقول في نفسك أين كنتم من قبل.
وفي المقابل، قد نعاشر أناسًا أعوامًا طويلة، تجمعنا بهم القرابة أو الصحبة أو الزمالة أو العمل ، فإذا تغيّرت الظروف، أو غابوا عن العين، أو انتهت المنفعة، تبدّل الودُّ جفاءً، وحلّ الصمت محلّ السؤال، وكأنّ المعروف كان مؤقتًا بزمانٍ أو منفعة، وقد يكون ذلك أيضا من قلة العلم والمعرفة والتجارب التي تكسب الإنسان خبرات فن التعامل مع الناس.
ولذلك كان الوفاء من شيم الكبار، وكان الجفاء من علامات ضيق الأفق. قال تعالى:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1].
وقال صلى الله عليه وسلم: « أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن أعتكِفَ في هذا المسجدِ -يعني: مسجدَ المدينةِ- شهرًا، ومن كظم غيظَه ولو شاء أن يُمضِيَه أمضاه؛ ملأ اللهُ قلبَه يومَ القيامةِ رِضًا، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يَقضِيَها له؛ ثبَّتَ اللهُ قدمَيه يومَ تزولُ الأقدامُ».
فالصلة الحقيقية ليست ترفًا اجتماعيًا، بل عبادةٌ أخلاقية، تحفظ للناس مكانتهم، وتصون القلوب من التصحر العاطفي والجفاء الإنساني.
وما أكثر الذين يبخلون بالكلمة الطيبة، مع أنّها لا تُكلّفهم شيئًا، ويضنّون بالسؤال، وكأنّ التواصل عبءٌ ثقيل، مع أنّ رسالةً صادقة قد تُحيي قلبًا أنهكته الوحدة. إنّ بعض الناس يُحسنون الإنفاق من أموالهم، لكنّهم فقراء في مشاعرهم، لا يُتقنون التعبير عن الوفاء، ولا يعرفون كيف يصنعون الدفء في حياة الآخرين. وهذا اللون من البخل أشدُّ إيلامًا من بخل المال؛ لأنّ المال قد يُعوَّض، أمّا انكسار القلوب بسبب الجفاء فندوبُه طويلة الأمد. وقديمًا قالوا: “من قلَّ وفاؤه قلَّ صفاؤه”.
فليس الصاحب من يُظهر المودة عند الحاجة، ثم ينقلب عند تغيّر الأحوال، وإنما المحب من ثبت على العهد، وحفظ الودّ، وأدّى حقّ الصحبة ولو بعد حين. أمّا الذي يجفو، ويقابل الإحسان بالجفاء، فذلك فقيرُ المشاعر.
ومن أجمل محطات الحياة أن تلتقي بأناس تحبهم في الله ويحبونك. والصديق الصالح يأتي شفيعاً لصاحبه يوم القيامة .. قال قتادة عند قول الله ﴿ فمالنا من شافعين • وَلا صَديقٍ حَميمٍ ﴾ “يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحا نفع وأن الحميم إذا كان صالحا شفع “.
وإنّ المجتمعات لا تفصلها المسافات وحدها، بل تصاب بالجفاف وموت المشاعر، ويصبح التواصل نادرا، أو رسائل تائهة في حقب زمنية متباعدة وتخلو من حرارة القرب. وحين يشيع الجفاء تضعف المودة والرحمة، ويشعر الإنسان أنّه يعيش بين خيالا لا حقيقة.
فعلى الإنسان أن ينمي في نفسه ومن حوله سخاء المشاعر الحميدة، وليجعل من السؤال عن الناس عبادةً يتقرّب بها إلى الله، ومن الوفاء خُلُقًا ثابتًا لا تغيّره الظروف. فالكلمة الطيبة صدقة، والوفاء حياةٌ للقلوب، ومن حفظ الودّ حفظه الله، ومن وصل الناس وصله الله، ومن زرع في القلوب خيرًا، عاد إليه الخير أضعافًا.
وليكن سمتك دائما التسامح والتغافل مع النصح وأن تلتمس للمقصر عذرا، وكن قنطرة للخير والبر والوصل ونفع الآخرين.
د. عبدالرحمن بن عبدالله المشيقح
مقالات سابقة للكاتب