في زوايا الفضاء الرقمي المزدحم والمنفلت، تبرز ظاهرة تثير الدهشة بقدر ما تثير الشفقة؛ إذ هناك فئة من الأشخاص قرروا أن هوياتهم الحقيقية وأنسابهم المثبتة في وثائقهم الوطنية لا تواكب طموحاتهم، فصنعوا لأنفسهم تاريخاً “معلباً” يناسب أوهامهم. هؤلاء هم “أدعياء الأنساب الجدد” الذين استبدلوا صلة الرحم الحية بصلة ميتة متخيلة في أدمغتهم، وبمشجرات مشبوهة تُباع وتُشترى في أسواق الزور، متناسين الغاية الأسمى التي وضعها الخالق في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}.
فتجدهم في حالة من التناقض المثير للسخرية؛ فبينما تحمل بطاقات هوياتهم الرسمية نسباً ثابتاً وموثقاً، تضج حساباتهم في “إكس” ومقاطع “السناب شات” بنسبٍ آخر تماماً! يعيشون انفصاماً علنياً، يهربون فيه من واقعهم المثبت في السجلات الرسمية للدولة وماعرف عن نسبهم من استفاضة وشهرة إلى فضاء رقمي يبيعون فيه أوهام الاستفاضة والشهرة حيث يطلّ أحدهم ليردد بهستيرية مدروسة: “جدي فلان الفلاني”، مكرراً الاسم في كل تغريدة ومحفل، ظناً منه أن الضجيج الرقمي كفيل بمحو الحقيقة المثبتة في الأوراق الثبوتية.
إن هذه الاستفاضة المصطنعة هي محاولة بائسة لاحتكار “سوق الأنساب”، عبر خلق جيل يرى الانتماء مجرد “بروباغندا” وهشتاقات واستعراض إلكتروني، وليس قيمة أخلاقية ومسؤولية اجتماعية، لذلك تجد حالة الانفصام والانسلاخ التي يعيشها هؤلاء واقعاً ملموساً في تصرفاتهم؛ إذ يحاولون جاهدين الابتعاد بانتسابهم المزيف عن محيطهم الاجتماعي وقبائلهم الحقيقية، والركض خلف انتماء وهمي لكيانات بعيدة لا ينتمون إليها لا أرثا، ولا لغةً، ولا لهجةً، ولا أرضاً و تتجاوز حتى حدود ومظلة الوطن!
إن المتأمل في سلوك هؤلاء يجد أعراضاً واضحة لمرض نفسي؛ فهم يعيشون حالة من التيه والانفصام تجعلهم في تبدل دائم، فلا يستقر لهم قرار على لقب أو كنية. تجد الواحد منهم يظهر كل يوم بلقب جديد، يمارس به أقصى درجات “الهياط” الاجتماعي، محاطاً بهالة من الألقاب الوهمية؛ فتارة يدعي أنه “رجل أعمال” غارق في عقودٍ وهمية، وتارة “شيخ القبيلة ” يختلق لنفسه مشيخة مزيفة لا يقر بها قومة ولا تقر بها سجلات الدولة الرسمية، بل وتصل بهم الجرأة إلى انتحال ألقاب أكاديمية وشهادات “دكتوراه” كرتونية تُباع في دكاكين الإنترنت، ليخلقوا هيبة زائفة تعوض نقصهم المعرفي والاجتماعي.
إن هذا الكائن الذي نسميه هنا “المهايطي الرقمي”، لم يجد في القبيلة إلا غطاءً أيديولوجياً لترميم ثقوب شخصيته ومعالجة مرضة النفسي، محولاً إرثاً من القيم الأخلاقية الصارمة إلى “نادٍ نرجسي” للاستعراض زيفه أمام قبيلته الالكترونية التي تجاوزت حدود المواطنة والوطن، بينما يمارس والإقصاء والجحود والتنكر الى أقرب الناس ألية من الذين يشاركونه قرابة الدم وتراب الوطن.
وتتجلى أبشع صور هذا التناقض في “الطعن بالظهر”؛ فهذا النرجسي المهايطي الرقمي الذي يملأ الدنيا صياحاً دفاعاً عن اسم قبيلته، هو أول من يشحذ خنجره ليحارب “ابن عمه” القريب كذباً وخداعاً وحسدا. إنها حرب النزوات؛ حيث يغتال بالكلمة القريب الذي اختلف معه في رأي أو تفوق عليه في مكانة، بينما يُبشر “الغريب” البعيد ويناديه (يابن عمي) ويكرر هذه الكلمة كثيرا ويمجد فيه لمجرد أنه يشاركه “الهياط” الإلكتروني والنسب المزيف.
والمحزن المبكي أن هؤلاء الأدعياء تسببوا في شق الصف وتمزيق اللحمة القبيلة الواحدة؛ حتى وصل الأمر إلى مشهد سريالي محزن رأيناه بأمم أعيننا في المناسبات والمحافل، حيث تجد أبناء الجد الواحد المعروف والثابت نسبهم قد انقسموا إلى قبيلتين مختلفتين! كل قسم ينسب نفسه لجهة مغايرة إرضاءً لسيناريوهات السماسرة وطلباً للشهرة الكاذبة، في تزييفٍ فجٍ يضرب عرض الحائط بكل منطق وعقل، ليصبح النسب مجرد “رداء” يُفصّله الدعيّ كما يشاء ليستر به عورة ادعائه.
إن هؤلاء غالباً يعانون مما يُسميه علم النفس “تضخم الأنا” التعويضي؛ حيث يستخدمون اللقب (سواء كان أكاديمياً، أو وجاهياً، أو مالياً) كدرع لإخفاء ضآلة الإنجاز الحقيقي أو لردم فجوة الثقة بالنفس. لذا تكثر عند هؤلاء المرضى الألقاب الرنانة كدرع القبيلة وسيف القبيلة وسهم القبيلة وعنتر بن شداد القبيلة وحاتم القبيلة… الخ من الألقاب التي ليس لهم منها حظ ولانصيب!!!
ولم يكن لفقاعات “المهايطية الرقميين” أن تنتفخ لولا وجود فئتين تقتات على ما يجود به هؤلاء المهايطيين عليهم وهم: “إعلاميو الصدفة” و”شعراء التطبيل”. وهؤلاء المرتزقة يختبئون خلف ستار مواقع ومنصات إلكترونية تخالف صراحةً أنظمة هيئة الإعلام الرقمي وتفتقر لأي ترخيص قانوني، محولين الفضاء الإلكتروني إلى ساحة للتسول وتلميع الصور والفلاشات في هياط الكتروني وبهرجه باهته مقابل فتات الأموال.
وقد جاء القرار الحاسم من وزارة الداخلية ليكون بمثابة صمام الأمان للسلم المجتمعي. إن التوجيهات الأخيرة بمنع الخوض في الأنساب والقبائل عبر المنصات غير المرخصة، ووضع حد للمواقع التي تمارس دور “القاضي والمؤرخ” دون غطاء رسمي، قد وجهت ضربة مسددة لظاهرة “النزاعات القبلية المفتعلة”.
إن هذا التحرك السيادي لم يأتِ فقط لحماية التاريخ من التزوير، بل لحماية النسيج الوطني من التمزق الذي تغذيه طموحات مريضة وألقاب وهمية.
إن تفعيل الأنظمة وصرامة وزارة الداخلية في تطبيقها ضد هذه المنصات والمحيطين بها من المسترزقة والادعياء هو الطريقة المثلى لكبح جماح هؤلاء المسترزقة والمرضى النفسيين، وضمان أن يظل “الوطن” دائما وأبدا هو المظلة الأسمى التي تنصهر تحتها كل الفوارق، بعيداً عن تجار أوهام القبيلة الالكترونية وصكوك غفرانها المزورة.
وبالمقابل، يقف مشايخ القبائل الحقيقيون طوداً شامخاً من الحكمة؛ فهم المهتمون بشؤونهم الخاصة وبقبائلهم المعروفة النسب، الملتفون حول الجد الواحد المشترك، والغيورون على أبناء قبائلهم الذين يسكنون معهم في نفس منطقتهم وضمن حدود مناطقهم الإدارية ودولتهم الواحدة. هؤلاء المشائخ هم الحقيقيين وللذين لا يتبعون ترهات “المنصات الإلكترونية”، ولا يغريهم الحشد الرقمي العابر؛ لأن ولاءهم الأول لوطنهم، وقبيلتهم عندهم هي مدرسة بر وولاء وتلاحم، لا ساحة للعب أطفال الهشتاقات للإلكترونية ولا مصحة لأوهام المرضى النفسيين!!
كما إن مواجهة هذا الطوفان من الزيف تتطلب وعياً من شباب وأفراد المجتمع يبدأ من رفض هذه “الألقاب الكرتونية” ومن يحملها وعدم التهاون أولا مع “منصات الارتزاق الرقمي” التي تقتات على تزوير التاريخ. وثانيا وثالثا ورابعا مع هؤلاء المرضى من ادعياء الانساب ومن نحى نجوهم!!
إن العودة إلى الاعتزاز بالذات الحقيقية، وتقدير المنجز الشخصي الفعلي بدلاً من التلحف بعباءات الأجداد الوهميين، هي السبيل الوحيد لإغلاق “دكاكين الزور” هذه، ليبقى النسب شرفاً يُصان بالصدق، ومجدا يبنى بالفعل الحقيقي لا سلعةً تُشترى بالأوهام ، كما أن النسب الحقيقي ليس رداءً يُشترى لستر فراغٍ في الحاضر، بل هو علاقة حية تُكتب تفاصيلها بالارتباط العميق بالأرض، وتُصان بالمواطنة الصالحة التي تجعل من الفرد لبنة صالحه في بناء وطنه.
وليعرف شبابنا أن القبيلة في جوهرها ليست مجرد تفاخر بالألقاب، بل هي منظومة قيم ومبادئ أخلاقية تسمو في مناطقهم الجغرافية وبيئتهم الاجتماعية كما عرفه الإباء والاجداد، وهي ذلك الحلف غير المكتوب على النجدة والوفاء وأخلاق العرب ومرؤتهم لا على الكذب والزور والتدليس والمباهاة الكاذبة وهي مدرسة في الأخلاق لا تكتسب شرعيتها إلا من خلال الاندماج في نسيج الوطن الواحد، والعمل تحت مظلته التي تسع الجميع.
وليفهم الشباب انه ولى زمن الركض خلف ألقاب بعيدة ونسخٍ متغيرة من الأنساب التي تتبدل بتبدل الأوطان والمصالح والمنابر، فالفخر الحقيقي لا يُصنع في الماضي البعيد المتخيل، بل يُصنع اليوم بالولاء للمكان والوفاء للناس وأنجاز الفرد الحقيقي الذي كسبه بجد واجتهاد، وأن من يحب أرضه ويعمرها، ومن يخلص لجاره ويحمي وطنه، هو صاحب النسب الأرفع والمكانة الأسمى.
إن الانتماء الذي لا يترجم إلى مواطنة فاعلة هو مجرد كلمات جوفاء، والبحث عن الهوية في دهاليز الغرباء هو تيهٌ لا ينتهي. فالتاريخ لا يرحم من يترك واقعه ليعيش في أوهام الألقاب، والجغرافيا لا تعترف إلا بمن يضع عرق جبينه في ترابها.
واعلموا أن الوطن يبنى بالعمل الملموس والإنجاز الفكري، لا بالشيلات المفاخرة أو شهادات الأنساب الزائفة التي تعزز الفرقة وتزيف التاريخ. إن الولاء الحقيقي يكمن في تحويل المفاخرة إلى إنجازات شخصية ترفع اسم القبيلة والوطن، مما يجعل المستقبل مرهوناً بالأثر الفعلي لا بضجيج المظاهر والقصائد المستجدية، وشيلات الهياط وحنا وحنا، وأن الولاء للأرض لا يُنال بشهادات الكرتون أو مشجرات الانساب المشتراة والمزورة من مزادات “الهياط” الرقمي، وأن كنت تحب ربعك وأبناء عمومتك، فاجعلهم يفتخرون بطبيب، مهندس، أو مبدع يرفع اسمهم في المحافل بالحق لا بالصراخ.
وأن من يحاول أن يصنع هوية موازية لهوية الدولة والوطن هي انتحار اجتماعي قبل أن تكون زيفاً تاريخياً! وإن القيمة الحقيقية لك ليست في لقبٍ أو نسب زائف تنتحله خلف الشاشات، بل في أثرك وإنجازك الشخصي الذي تحققه فوق تراب وطنك المملكة العربية السعودية ويفتخر به كل من تطأ قدمه هذا التراب!!
فما أجمل أن تغلق دكاكين الزيف والاسترزاق والقائمين عليها ويوقف المزورين وتجار الأوهام، ولتكن القبيلة الكبرى التي تحمي الجميع وتمنح الشرف الحقيقي هي دولتنا المملكة العربية السعودية وحكامها ال سعود الكرام؛ حيث لا فضل لأحدٍ على آخر إلا بصدق الانتماء وعظيم العطاء، أما “منصات الارتزاق” فستظل مجرد فقاعات، يطويها النسيان ويبقى الوطن ومعه قبيلة الدم الحقيقية شامخاً عزيز طول الدهر….
ودام عزك ياوطن
مقالات سابقة للكاتب