دموع الحب

دموع الحب: حين أعادتني العائلة إلى الحياة!!

أحيانًا لا نكتشف قيمة من نحبهم إلا عندما تهتز قلوبنا بدمعة صادقة؛ دمعة لا تُقال فيها الكلمات، لكنها تُعيد ترتيب الحياة كلها في لحظة.

نظن أن الوقت واسع، وأن اللقاءات يمكن تأجيلها، وأن الأحبة باقون كما هم دائمًا؛ لأننا ألفنا النعم حتى ظننا أنها لا تزول.
لكن الحقيقة التي لا ننتبه لها إلا متأخرين: أن أجمل ما في الحياة ليس ما نملكه، بل من نحبهم ويحبوننا بصدق، بلا شرط وبلا مقابل.

ليس حب العشاق الذي تمتلئ به الروايات، بل ذلك الحب الهادئ العميق؛ حب الأم، وحب الأخ، وحب الأخت… الحب الفطري، أخوة الدم والرحم، الذي لا يطلب شيئًا سوى أن نبقى معًا.

في مرحلة من حياتي، كنت قد اتجهت إلى عزلة داخلية هادئة.

كتبت أنني صديق نفسي، وظننت أن في الابتعاد سكينة، وأن في الزهد خلاصًا، وأن في تقليل العلاقات راحة للنفس!
حتى بدأت أبتعد دون أن أشعر، وأقسو على نفسي دون أن أدري.

وفي تلك المرحلة، كانت أختي عبير أم عبدالله، حفظها الله ورعاها، لا تتوقف عن محاولة جمع العائلة.
كانت تصر وتلح علينا أن نجتمع جميعًا في رحلة إيمانية إلى مكة؛ حيث تهدأ الأرواح، وتلتقي القلوب، ويعود الإنسان إلى نفسه الأولى.

كانت تتصل بأخي وأخواتي، تجمعنا واحدًا واحدًا، بإصرار لا يشبه إلا الحب حين يخاف الفقد.

حتى أبو نايف، أخي الأصغر، اعتذر، وقد اعتذرت أنا أيضًا. لكنها تقبّلت اعتذار الجميع، إلا أنا؛ لا أدري لماذا كنت متمسكًا برفضي، وكأنني أهرب من شيء لا أفهمه!
لكنها لم تتوقف.
لم تكتفِ باتصال، بل جاءت بنفسها.

جاءت من بيتها إلى غرفتي، تحمل قلبًا أكبر من كل ترددي، وكأنها تحمل العائلة كلها في قلبها وروحها.
دخلت بهدوء يحمل قلقًا وحبًا في آن واحد، وقالت برجاء عميق:
“تكفى يا نوار، نروح سوا.”

كنت أبدو هادئًا من الخارج، لكن في الداخل كنت كالصنم، بلا مشاعر، جامد الإحساس، لا أستجيب بسهولة.
وحين رأتني متمسكًا برفضي… انهارت.
لم يكن بكاؤها عاديًا، بل كان بكاء قهر وخوف؛ خوف أن يتفرق الجمع، وخوف أن تمر الحياة دون أن نلتقي كما يجب أن نلتقي.
اقتربت، وجلست على السرير، وانكسر صوتها، ثم انهارت دموعها.
وفي تلك اللحظة، حدث شيء لم أستطع تفسيره.
كأن قلبي كان مغلقًا، ثم فُتح فجأة من الداخل… كأن شيئًا قال لي: كفى!
لم أبكِ، لكنني شعرت أنني أنا الذي ينهار داخليًا بهدوء.
ثم قلت، دون تفكير:
“خلاص… أنا معكم.”

لم يكن القرار عقلًا، بل كان استجابة قلب لم يعد يحتمل دمعة من يحب.
يا إلهي، هل كنت قاسيًا لهذه الدرجة حتى جعلت أختي تبكي أمام جبروت مزاجي ورغبتي الجافة المتصحّرة؟
وهكذا بدأت الرحلة.
انطلقنا أنا وابن أختي عبدالإله، وأختاي، في رحلة كانت من أجمل الرحلات في حياتي؛ رحلة لم تكن مجرد انتقال مكان، بل انتقال روح.

تلاقت الأرواح المتعطشة للحب، ففاح عبير الشوق، وانسابت أحاديث الأخوة الصادقة.
كانت أختي تعرف مكة جيدًا، وتعرف طرق الدخول إلى الحرم، وتعرف المقاهي والمطاعم، وكانت دليلة رحلتنا الجميلة.
في المطاعم والمقاهي، كانت أختاي تصوّرانني من كل الزوايا، وكأنني أحد النجوم أو المشاهير… يا الله ما أكرمك!
يا إلهي، كم كان حبهما الفطري يملأ روحي، حتى شعرت أنني أعانق السماء.

وكان عبدالإله، الشاب الخلوق، هو الهدوء الذي يسبق كل فوضى، والسند الذي يجعل كل شيء يمشي بثقة؛ قائد رحلة ذكي، نشيط، لا يكل عن خدمتنا، مفعم بالحب والمسؤولية.

وكانت أختي عبير أم عبدالله هي قلب الرحلة الحقيقي؛ تجمعنا، تسأل عن الجميع، تهتم بالتفاصيل، وكأنها تخشى أن يفلت أحد من هذا الشمل.

لم تكن تنظم رحلة، بل كانت تُرمم عائلة!
وكانت أم أروى، فاطمة، بحنانها وبساطتها، هي المساحة التي يهدأ فيها كل شيء.
لا تتكلم كثيرًا، لكنها تجعل القلوب أخف لمجرد وجودها.
وفي الطريق إلى مكة، بدأت الأرواح تذوب شيئًا فشيئًا، كأن المسافات بيننا لم تكن موجودة أصلًا، وكأننا نعود إلى شيء قديم جدًا داخلنا!

في مكة… تغيّر كل شيء.
في الحرم، بين الصلاة والدعاء، شعرت أن داخلي يُعاد ترتيبه بهدوء؛ كأن كل ما كان متعبًا في القلب بدأ يهدأ دون تفسير.
وهناك، بين الطواف والسكينة، فهمت معنى القرب الحقيقي.

وتذكرت حوارًا دار بيني وبين أم عبدالله حين توفيت أختنا سميّة، حين قالت بدهشة صادقة:
“لقد أعطتنا المستشفى سميّة في كيس… نعم، في كيس!”
لم تكن الكلمة عادية، بل كانت صدمة أيقظت في داخلها معنى الحياة والفقد معًا.
إنسانة كانت تضحك بيننا وتعيش تفاصيلنا، ثم أصبحت ذكرى صامتة لا تُلمس.
هناك فقط فهمت أن الحياة لا تنتظر أحدًا، وأن ما نؤجله قد لا يعود أبدًا.
قالت أم عبدالله بعد ذلك:
“تغيّرت نظرتي للحياة، وأقبلت على الله أكثر، وفي ذلك خير عظيم.”
وقال أخي الأصغر أبو نايف بحسرة:
“ما شبِعنا من سميّة!”

واليوم أفهم تلك الكلمات أكثر من أي وقت مضى.
أفهم أن أم عبدالله كانت تحاول أن تُشبعنا حبًا وقربًا؛ لأن الحياة زائلة، والأعمار متفاوتة، ولا نعلم من يسبق من.

هذه الرحلة لم تكن سفرًا فقط، بل كانت إنقاذًا داخليًا.
لم تكن مجرد جمع عائلة، بل كانت إعادة تشكيل وعي (إعادة ضبط) لقلب قسى على نفسه كثيرًا دون أن يشعر.
وما قامت به أختي عبير أم عبدالله، حفظها الله، لم يكن ترتيب رحلة، بل كان فعل بر حقيقي، وصلة رحم صادقة، وإحياء لمعنى العائلة كما أراده الله.

وأما عبدالإله، فكان السند الذي لا يطلب مكانًا في المشهد، لكنه يصنعه بهدوء؛ قائد الرحلة الذكي الخلوق، شعلة نشاط لا تكف عن الخدمة والحب.

وأما أم أروى، فكانت الحنان الذي يجعل كل شيء أخف مما يبدو عليه.
عدنا أكثر حبًا، أكثر سعادة، أوثق ارتباطًا…
لكنني لم أعد كما كنت!
عدت وأنا أفهم أن الزهد الحقيقي ليس في ترك الناس، بل في ألا نترك من نحب، حتى في زحام الحياة.
عدت ممتلئًا بشيء لا يُقال…
شيء اسمه الحياة حين تكون مع من تحب.
وفي النهاية، أدركت أن بعض الدموع لا تُبكينا، لكنها تعيدنا إلى أنفسنا… إلى الأبد.

شكرًا عبير أم عبدالله، شكرًا أم أروى، شكرًا عبدالإله.
لقد كان جميلكم على رأسي قبل أن يكون في حياتي.
أعدتموني من صمتي إلى الحياة، ومن قسوتي إلى قلبي، ومن وحدتي إلى عائلتي.
لكم مني كل الحب، وكل الامتنان الذي لا تقوله الكلمات، بل تحفظه الأرواح إلى الأبد.

 

 

نوار بن دهري
NawarDehri@gmail.com

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *