يا ضيوف الرحمن…
لقد خرجتم من أوطانكم، قاصدين بيت ربكم، تحملون في قلوبكم رجاء المغفرة،وتؤمّلون رحمةً تُبدّل حالكم، فاجعلوا أول ما تستقبلون به هذا السفر إخلاص النية؛فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له، قال تعالى:﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5].
وتذكّروا أن الحج ليس انتقالًا بالأبدان فحسب،بل سيرٌ إلى الله بالقلوب؛تُجَرَّد فيه النفوس، وتُهذَّب فيه الأخلاق، قال سبحانه:﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197].
فاحفظوا ألسنتكم، وصونوا قلوبكم،وكونوا على سكينةٍ وخشوع.
امشوا إلى مناسككم بوقارٍ وهدوء،فإن الله يحب الرفق، وقد قال النبي ﷺ:«إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله»(متفق عليه).
وفي الزحام،تكون السكينة أمانًا،والرفق نجاة، والهدوء عبادة.
وأنتم بين الحجيج،من كل لونٍ ولسان،تذكّروا أنكم إخوةٌ في الإيمان، جمعكم النداء، ووحّدكم المقصد، قال تعالى:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
فكونوا عونًا لبعضكم،وأفسحوا لإخوانكم، وأحسنوا في القول والفعل،فإن الكلمة الطيبة صدقة.
وقد يقع من رفيقٍ خطأ،أو تقصير،فاجعلوا التغافل زادكم، والصفح خُلقكم،قال تعالى:﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199].
وتعاونوا مع القائمين على حملاتكم،فإنهم يسهرون على خدمتكم،ويبذلون جهدهم لراحتكم، وكونوا لهم عونًا كما هم لكم عون،وكذلك التزموا بتوجيهات رجال الأمن،فإن في طاعتهم حفظًا للأنفس، وصيانةً للمشاعر،والله يقول:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].
واحذروا كل ما يُثير الفتنة،أو يُكدّر الصفو،فإن هذه المشاعر جُمعت على التوحيد،فلا تُفرّقها الخصومات، ولا تُفسدها الأهواء، قال تعالى:﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
وأكثروا من الدعاء، فإنها أيام إجابة،ومواطن قرب، قال ﷺ:
«خير الدعاء دعاء يوم عرفة» (رواه الترمذي).
ويوم عرفة… يومٌ ليس كغيره
يومٌ يقترب فيه الرب جل جلاله من عباده،ويُباهي بهم ملائكته، ويفتح لهم أبواب رحمته، ويُفيض عليهم من عفوه ما لا يخطر على قلب بشر.
فاجتهدوا فيه اجتهاد من علم أن الفرصة لا تُعوّض،وارفعوا أكفّكم بقلوبٍ منكسرة،وألسنةٍ ملحّة،ودموعٍ صادقة…
قولوا:ربّاه… هذه وقفة عبدٍ أذنب فاعترف، وقصّر فرجع، وضعف فاستغاث،فلا تردّه خائبًا، ولا تُخرجه من هذا الموقف إلا وقد غفرت له، ورضيت عنه.
وقد جاء في الحديث:
«ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة» (رواه مسلم).
وأمّلوا من ربكم كل خير، فقد جاء في بعض الآثار: «أفيضوا عبادي مغفورًا لكم»، فكونوا أهلاً لهذه البشارة بالصدق والإنابة.
واذكروا فضل الله عليكم بما يسّر لكم من هذا الحج، وما سخّر لكم من خدماتٍ ورعاية، واشكروا من كان سببًا في ذلك، فإن النبي ﷺ قال:
«لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (رواه أبو داود والترمذي).
فادعوا لولاة أمركم في بلد الحرمين بالتوفيق والسداد، فإنهم بذلوا لهذه الشعيرة جهدًا عظيمًا،وجعل الله على أيديهم من الخير ما عمّ الحجيج، فالدعاء لهم من تمام الوفاء، ومن شكر النعمة.
واعلموا أن الحج ليس نهاية الطريق، بل بداية حياة جديدة؛ فإن صدقتم مع الله، عاد أحدكم كيوم ولدته أمه، قال ﷺ:
«من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (متفق عليه).
فامضوا إلى حجّكم بقلوبٍ خاشعة، ونفوسٍ مطمئنة، وأعمالٍ صادقة…
لعل الله أن يكتب لكم حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا.
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: 25]
وأنتم اليوم في طريقها… فلا تضيّعوا السبيل.
منصور بن صالح العُمري
مقالات سابقة للكاتب