هل الماضي حالة انتهت أم حالة قادمة؟
يبدو للوهلة الأولى أن السؤال غريب، وربما إجابته واضحة، ولكن إن نظرنا إليه بعمق وتأمل، فإنه يفتح أمامنا بابًا واسعًا للتفكير في نظرتنا إلى الزمن وعلاقتنا به. فالماضي قد نراه أحداثًا انقضت، وربما ننساها أو تظل حاضرة في أذهاننا باستمرار. إلا أننا إذا نظرنا إليه من زوايا متعددة، فإنه يتشكل في عقولنا كعنصر فاعل يوجّه عيشنا للحاضر وانتباهنا للمستقبل.
ولكي نكون أقرب لفهم هذه الفكرة بشكل أوضح، يمكن النظر إلى الزمن من خلال ثلاثة اتجاهات مترابطة: دينية، علمية، ونفسية.
من الناحية الدينية
نجد أن الزمن جزء من نظام أحكمه الخالق سبحانه وتعالى، حيث إن لكل لحظة فيه قيمتها ومعناها. فالماضي يُعد سجلًا للأعمال التي قمنا بها، سواء كانت عبادات أو تعاملات إنسانية أو تجارب ومحن واختيارات مررنا بها. ومن حيث الحالة الزمنية، فقد انتهى وقوعه، لكنه في الحقيقة لم ينتهِ أثره؛ لأن ما فعله الإنسان في الماضي يُحسب له أو عليه، ويظل حاضرًا في ميزان المسؤولية الدينية من حيث الثواب أو العقاب، والله أعلم بما يقضي فيه.
ومع ذلك، ليس على الإنسان أن يظل أسيرًا لماضيه؛ فإن كان الحدث صالحًا فإمكانية تكراره واردة، وإن كان غير ذلك فإن باب التوبة مفتوح، والتصحيح ممكن. وبهذا يتحول الماضي غير الصالح من عبء إلى درس، ومن خطأ إلى نقطة انطلاق. ومن هذا المنطلق، فإن الماضي انتهى كزمن، لكنه حيّ في نتائجه ومعانيه وما يُستفاد منه في المستقبل.
من الناحية العلمية
وخاصة في الفيزياء، يُفهم الزمن على أنه اتجاه يسير من الماضي إلى الحاضر ثم إلى المستقبل، وفق ما يُعرف بـ”سهم الزمن”. ولهذا فإن الأحداث لا تعود إلى الوراء، بل تتقدم في اتجاه واحد. ويختلف فهمنا لها تبعًا لتطور الفكر والتقدم العلمي والتقني.
وبناءً على ذلك، فإن الماضي لا يمكن أن يعود كحالة زمنية؛ لأنه ببساطة حدث ضمن ترتيب زمني محدد. ولا يمكن أن يتكرر بالصورة ذاتها التي عشناه بها. ومع ذلك، فإن آثار الماضي تبقى ماثلة في الحاضر، وقد تظهر بشكل مختلف نتيجة تغير المعطيات. ومن هنا، نجد أن كل لحظة حالية هي نتيجة مباشرة لما سبقها من أحداث، سواء كان أثرها نافعًا أو ضارًا.
من الناحية النفسية
نظرًا لما يحمله الإنسان من مشاعر مرتبطة بأحداث حياته، يصبح الماضي أكثر حضورًا وتعقيدًا. فالإنسان لا يعيش الزمن كخط مستقيم فقط، بل يعيشه تجربة شعورية متراكمة، يحمل فيها ماضيه داخله عبر الذاكرة.
وفي علم النفس، نجد أن التجارب السابقة تُشكل أنماط التفكير والسلوك، وكأنها مرجع داخلي يؤثر في تصرفات الإنسان وقراراته، أحيانًا دون وعي كامل. وهنا يبدو وكأن الماضي يعود، لكنه في الحقيقة لا يعود كحدث، بل كأثر داخلي متجذر، إيجابيًا كان أو سلبيًا، حسب طريقة تعامل الشخص معه.
وقد تجعل الذكريات، خاصة العاطفية منها، الإنسان يعيش لحظات من الماضي وكأنها حاضرة بكل تفاصيلها. فقد تمنحه القوة إذا كانت إيجابية، أو تقيده إذا كانت سلبية. لذلك، من المهم أن يتعلم الإنسان إعادة تفسير ماضيه بطريقة إيمانية وإيجابية، تخفف من وطأته وتحوّله إلى مصدر قوة.
الخلاصة
عند النظر إلى الماضي من خلال هذه الاتجاهات الثلاثة، تتضح الصورة بشكل أعمق؛ فنجد أنه ليس حالة قادمة، لأنه لا يسير نحونا، بل نحن من نمضي بعيدًا عنه. وفي الوقت ذاته، ليس مجرد حدث انتهى وانقطع، لأن آثاره لا تزال حاضرة وممتدة في حياتنا، وتؤثر في قراراتنا الحاضرة والمستقبلية.
لذلك، يمكن القول إن الماضي انتهى كزمن من الناحية الفيزيائية، لكنه مستمر كقوة مؤثرة في حاضرنا ومستقبلنا، سواء على مستوى الأفراد أو المجتمعات.
وفي النهاية
من الحكمة أن نحقق توازنًا داخليًا، فلا نحصر أنفسنا في أسر الماضي، ولا نتجاهل دروسه. وأن ندرك أن الحاضر هو المساحة الوحيدة التي نملكها فعليًا، وهو النقطة التي نعيد فيها تشكيل معنى الماضي ونبني من خلالها المستقبل.
بهذه النظرة، لا يصبح الماضي، خاصة السلبي منه، عبئًا ثقيلًا أو همًا قادمًا، بل أساسًا نستند إليه، بفهم ديني عميق، يعيننا على فهم أنفسنا وتوجيه حياتنا.
عبدالعزيز مبروك الصحفي
مقالات سابقة للكاتب