“فإنك بأعيننا”.. كيف تستعيد طمأنينتك في أصعب لحظات حياتك؟
في مسيرة الحياة المليئة بالابتلاءات والتحديات، قد تمر بالإنسان لحظات يشعر فيها بثقل الأحمال وعجز الطاقة البشرية عن التحمل. هنا، لا يجد القلب سكينةً وطمأنينةً أعظم من اللجوء إلى القوة العظمى التي تدير هذا الكون.
إن الآية الكريمة: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48] ليست مجرد كلمات للمواساة، بل هي إعلانٌ رباني بالأمان المطلق، ودعوة صريحة لـ “التفاؤل بالخير” (الفأل الحسن)، واليقين بأن كل أمرٍ عظيم نواجهه قد مُنحنا القدرة على تجاوزه بعون الله.
“فإنك بأعيننا”: مفهوم الأمان الذي لا يضاهيه شيء.
تأمل هذه العبارة العظيمة: “بأعيننا”. أيُّ رعايةٍ وحفظٍ واهتمامٍ وعنايةٍ أعظم من أن يكون العبد تحت نظر ورعاية خالق السماوات والأرض؟ هذا هو الأمان الحقيقي الذي يبدد كل خوفٍ وقلق.
عندما يستشعر المؤمن هذه الحقيقة، يدرك أن كل ما يصيبه من قضاءٍ وقدر هو بعلم الله ورعايته؛ فالألم محفوفٌ بالرحمة، والشدة محاطةٌ بالعناية. هذا الشعور العميق بالرعاية الإلهية هو الدافع الأكبر لـ “الصبر الجميل” والتفاؤل الدائم، وهو جوهر الفأل الحسن الذي يفتح لنا آفاقاً واسعة للعمل والبناء.
هل التحديات فوق طاقتك؟
إليك سر القوة الإلهية:
كثيراً ما نواجه أموراً تظن عقولنا القاصرة أنها تفوق طاقتنا، سواء كانت مرضاً، أو خسارة مفاجئة، أو مسؤوليات جسيمة. الشعور بالعجز قد يكون طبيعياً في البداية، لكن الإيمان يعلمنا قواعد ذهبية ترتقي بنا فنسمو، فتطمئن النفس، وتسكن الروح، ويزهر العمر رضا ويقينا:
القاعدة الأولى في قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، [البقرة:286].
فكل تحدٍ تواجهه هو في حدود قدراتك الكامنة التي قد لا تدركها أنت الآن، لكن الله يعلمها.
القاعدة الثانية في قوله تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، [الشرح : 6] فالتحدي يحمل في طياته مفتاح الحل؛ فالأمر الذي يظن الإنسان أنه فوق طاقته، هو في الحقيقة اختبارٌ لقدرته على التوكل على الله.
القاعدة الثالثة التفاؤل واليقين: بالإيمان الجازم بأن الله الذي قدّر الابتلاء، قد خلق معه القدرة على الحل، وزودك بالقوة الكافية لتجاوزه.
وهذا اليقين هو ما نلمسهُ في طمأنينة القلب حين تضيقُ السُبل، وفي سكون الروح وسط عواصف القلق، فتغدو المحن جسورا نعبر بها نحو نضج أعمق، وإيمانٍ أرسخ.
القاعدة الرابعة: الثقة بالله، هي الوقود الحقيقي للتفاؤل بالخير، والمحرك الأصيل للاستمرار.
فعندما تتوكل على الله حق التوكل، تُفوّض أمركَ إليه، وتأخذ بالأسباب بقلبٍ عامرٍ باليقين، موقنا أنَّ النتائج بيد الخالق وحده.
وهذه الثقة تُنبت في الروح سكينةً لا تُشبهها سكينة، وتغرسُ في القلبِ طمأنينةً تُطفئ لهيب القلق، فلا يضطرب عند تأخر المطلوب، ولا ييأس عند تعثر الطريق.
هي سر الثبات حين تتكاثرُ المنعطفات، ونورُ البصيرةِ حين تلتبسُ الرؤى، تجعلكَ تمضي، وإن أثقلتْكَ الأيّام، وتنهض، وإن أرهقكَ السقوط.
وختاماً: في خضم التحديات، تذكر دائماً الوعد الإلهي: “فإنك بأعيننا”. هذا الأمان كافٍ لتبديد كل مخاوفك. الأمر الذي تظن أنه فوق طاقتك هو فرصة لتكتشف قوتك الكامنة بالاعتماد على الله.
فالمؤمن الذي يستمد قوته من ربه؛ هو الأقدر على الثبات والأصبر حين تضيق به السبل، لأنه يعلم أن في طيات البلاء منحا خفية لا يُدركها إلا من أحسن الظنَّ بربه، فأضاء قلبَه بنورِ اليقين، وإذا تكاثفت عليه هموم الدنيا، رفع كفيه إلى السماء مستعينًا، مستشعرًا أن له ربًّا لا يخذله، ولا يُضيع دمعته، ولا يُهمل رجاءه.
فيمضي في حياته ثابت الجَنان، مطمئن القلب، يعلمُ أن القوة ليست فيما يملك، بل فيمن يتوكل عليه، وأن العزّة ليست في جاهٍ أو مال، بل في صدق اللجوء إلى الله، فكان بذلك أقوى الناس قلبا، وأصفاهم روحا، وأثبتهم عند المحن.
مقالات سابقة للكاتب