وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَفْعَلُ الظَّالِمُونَ

ليست آية تُقال حين يشتدّ الألم فحسب، بل حقيقة تُقال حين يظنّ الظالم أنه نجا… وحين يوشك المظلوم أن يظنّ أنه ضاع.

في هذا العالم، تمرّ أشياء كثيرة بلا ضجيج: خذلانٌ لا يُفضَح، وكسرٌ لا يُرى، وحقوقٌ تُؤخذ بأناقةٍ باردة كأنها لم تكن يومًا حقًا. يمضي الظالم بعدها مطمئنًّا، كأن الأرض قد ابتلعَت أثره، وكأن السماء لم تُسجّل عليه شيئًا.

لكنه ينسى… أن الله لا يُشبه هذا العالم.

فالزمن عندنا يُغلق صفحاته سريعًا، أما عند الله فلا صفحة تُطوى قبل أن تُقرأ سطرًا سطرًا. نحن ننسى التفاصيل الصغيرة، أما هناك… فالتفاصيل هي الحكاية كلها. النظرة التي احتقرت، الكلمة التي جُرحت بها روح، النية التي لبست وجه البراءة وهي تحمل خنجرها في الخفاء… كل ذلك لا يضيع، بل ينتظر لحظته.

الظالم لا يُعاقَب فقط لأنه ظلم، بل لأنه ظنّ أن الظلم يمكن أن يمرّ بلا أثر. ظنّ أن الصمت ضعف، وأن الصبر نسيان، وأن السماء قد تغفل كما يغفل الناس. وهذه هي الخطيئة الأعمق… أن يُسيء الإنسان الظنّ بعدل الله.

أما المظلوم، ففي داخله معركة أخرى: بين يقينٍ يعرف أن الله لا ينسى، وبين تعبٍ يتساءل لماذا طال الانتظار. وهنا، تكون هذه الآية ليست وعدًا بالنجاة فقط، بل تصحيحًا للرؤية… أن التأخير ليس إهمالًا، بل ترتيبٌ أدقّ مما نتصوّر.

فبعض الظلم لا يُردّ سريعًا، لأن الردّ السريع قد يُطفئ الألم، لكنه لا يُنصفه. هناك حقوقٌ لا يكفي أن تُعاد، بل يجب أن تُعاد وهي تُري الظالم ما فعل، وتُري المظلوم أن ما مرّ به لم يكن عابرًا في ميزان الله.

وفي لحظةٍ ما… حين يهدأ كل شيء، ويظنّ الظالم أن الحكاية انتهت، تبدأ الحقيقة. لا بصوتٍ عالٍ، ولا بانتقامٍ يشبه البشر، بل بعدلٍ باردٍ دقيق… يعيد ترتيب كل شيء كما كان ينبغي منذ البداية.

هناك فقط، يفهم الظالم أن الله لم يغفل… بل كان يُمهل.

ويفهم المظلوم أن الله لم ينسَ بل كان يُعدّ له جوابًا لا يُشبه خسارته، بل يُعيده كاملًا، وكأن شيئًا لم يُكسَر فيه يومًا.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *