ضيوف الرحمن… بين شرف الخدمة وتجارة الاستغلال

من يَنشأ في مكة أو المدينة لا يتعامل مع الحاج بوصفه سائحًا عابرًا، بل يُربّى منذ صغره على معنى مختلف تمامًا… معنى ضيف الرحمن.

فخدمة ضيوف بيت الله لم تكن يومًا عند أهل الحرمين مجرد عمل موسمي أو منفعة اقتصادية، بل كانت جزءًا من الهوية، وخلقًا اجتماعيًا متوارثًا، وشعورًا داخليًا بأن القادم إلى هذه البقاع المباركة ليس ضيف مدينة فحسب، بل ضيفٌ لله قبل كل شيء.

ولهذا، ظل كثير من أهل الحرمين على بساطة أحوالهم أحيانًا يجدُون في خدمة الحجاج شرفًا قبل أن تكون مهنة، وعبادة قبل أن تكون منفعة، ويأنسون بوجودهم بينهم، ويحتفون بهم.

لقد تربّى الناس هنا على تلمّس احتياجات الحاج، ومساعدته، وإرشاده، وتقديم الراحة له، دون انتظار مقابل، أو استحضار لحسابات الربح والخسارة. وكان الآباء يغرسون في أبنائهم منذ الصغر أن احترام الحاج وإكرامه جزء من تعظيم شعائر الله.

وكنت دوما أضرب مثلا لبعض الأصدقاء ممن أتحدث معهم حول خدمة الحجيج ووجوب إخلاصها لله وهو:

لو أن جارك استضاف ضيوفًا، وطلب منك أن تفسح موقف سيارتك لضيوفه، لفعلت ذلك برحابة صدر، بل ربما ساعدته في استقبالهم وإكرامهم، فقط لأنهم ضيوف جارك. فكيف إذا كان الضيف ضيف الرحمن؟

إن استشعار هذا المعنى يصنع علاقة مختلفة تمامًا بين أهل الحرمين والحجاج؛ علاقة تقوم على الرحمة والاحتساب والمحبة، لا على الاستغلال والجشع.

لكن المؤلم أن هذا المشهد النبيل يُشوَّه أحيانًا بسبب فئة لا تنظر إلى الحاج إلا بوصفه فرصة للكسب السريع، أو كأنه محفظة مال متحركة، فتحاول استغلال الحاج عبر حاجته وجهله بالمكان، فترفع الأسعار عليه بشكل مبالغ فيه، أو تمارس صورًا مختلفة من الاستغلال، خاصة في مواسم الذروة والمشاعر المقدسة.

ولا يخفى على أحد أن بعض هذه الممارسات تصدر من بعض العمالة أو المجموعات التي اعتاشت سنوات طويلة على استغلال الحجاج، حتى أصبح الموسم عند بعضهم موسم اقتناصٍ لا موسمَ خدمة.

ومع ذلك، فمن الظلم أن تُختزل صورة أهل مكة والمدينة في هذه التصرفات الطارئة؛ لأن من تربّى فعلًا في أحياء الحرمين القديمة، وعاش ثقافة المكان وروحه، يدرك أن خدمة الحاج قيمة أخلاقية قبل أن تكون نشاطًا اقتصاديًا.

لقد كانت مكة والمدينة عبر التاريخ مدرستين في احتضان الناس، والتعامل مع الغرباء برحمة وتقدير، ولهذا أحب المسلمون الحرمين، ليس فقط لقدسيتهما، بل أيضًا لما وجدوه – في كثير من مراحل التاريخ – من كرم أهلها، وبساطتهم، وحرصهم على راحة الحاج.

ولا شك أن المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا بذلت جهودًا عظيمة ومشهودة في خدمة ضيوف الرحمن، حتى أصبحت مواسم الحج والعمرة من أكبر المنظومات الخدمية في العالم، بما تحمله من تنظيم، وبنية تحتية، ورعاية صحية، وأمنية، وتقنية متقدمة.

لكن بقاء هذه الصورة المشرقة يحتاج أيضًا إلى حماية الروح الأخلاقية للخدمة، حتى لا تتحول العلاقة مع الحاج إلى علاقة تجارية جافة، يفقد فيها الموسم معناه الإيماني والإنساني.

فالحاج لا يتذكر الفنادق الفاخرة بقدر ما يتذكر المواقف الإنسانية الصغيرة: من دلّه على الطريق، أو ساعده عند التعب، أو خفف عنه الزحام، أو ابتسم له في غربته.

وهنا يكمن الفرق بين من يخدم الحاج بوصفه عميلًا… ومن يخدمه لأنه ضيف الرحمن.

وأذكر أنني كنت في بعض مواسم الحج أتنقل ليلًا بدراجتي النارية في طرقات مكة، أبحث عن الحجاج التائهين أو كبار السن الذين أرهقهم الزحام، فأساعدهم في الوصول إلى مقار سكنهم دون انتظار مقابل، طمعًا في دعوة صادقة من ضيف من ضيوف الرحمن، ولم نكن نرى ذلك تفضّلًا على أحد، بل شيئًا نشأنا عليه، كما ينشأ الناس على عاداتهم اليومية.

ولم يكن ذلك أمرًا استثنائيًا عند كثير من أبناء مكة والمدينة، بل هو شعور تربّى عليه الناس هنا جيلًا بعد جيل، واستشعار لمعنى أن القادم إلى هذه البقاع المباركة ليس مجرد زائر، بل ضيف لله قبل كل شيء.

وأذكر أنني نشأت في كنف جدي رحمه الله، وكان لديه مكتبة صغيرة بجوار بئر ياخور في منطقة القشاشية بعمائر المشروع، تُعرف باسم مكتبة الانشراح، نبيع فيها المصاحف والكتب الدينية للحجاج والمعتمرين.

وكان جدي يوصينا دائمًا بوصايا لا تزال عالقة في ذهني حتى اليوم، فيقول لنا:

لا تُجادل الحاج، ولا تُناقشه كثيرًا، أعطه الكتاب بسعره، فإن فاوضك فخذ منه ما يستطيع، وبِعه برضا وسماحة.

وقد تربّى كثير من أهل الحرمين على هذا المعنى؛ معنى أن الحاج لا يُنظر إليه بوصفه فرصة للكسب فقط، بل بوصفه ضيفًا له حق الإكرام والتيسير وحسن المعاملة.

ولعل البركة التي كان الناس يجدونها قديمًا في تجارتهم وخدمتهم للحجاج لم تكن بسبب كثرة المكاسب وحدها، بل بسبب النيات الصادقة، والسماحة، واستشعار شرف خدمة ضيوف الرحمن.

إن خدمة الحجاج ليست مجرد وظيفة، بل شرف تاريخي وأخلاقي، حمله أهل الحرمين جيلًا بعد جيل، وسيظل كذلك ما بقي في الناس من يستشعر معنى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش

باحث في المصرفية الإسلامية والتمويل

الأربعاء 03 ذو الحجة 1447هـ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *