خلف المقام.. كان يجلس رجلٌ يُحيي القلوب

القصاصون في مكة المكرمة.. ظاهرة علمية روحية عمّرت أروقة المسجد الحرام قروناً

مع كل موسم حج، تتكرر في مكة المكرمة مشاهد ما انفكّت عن هذا البيت منذ أن أذّن إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج. حجاج يطوفون، وقلوب تدعو، وأرواح تتجدد في هذه البقعة المباركة. غير أن موسم الحج في صدر الإسلام كان يحمل إلى جانب هذا كله طقساً آخر، كاد يكون ركناً من أركان المشهد الروحي في المسجد الحرام: جلسة القاصّ.

لم تكن تلك الجلسة ترفاً أو إضافة هامشية؛ بل كانت امتداداً حياً للصلاة، يجلس فيها الرجل خلف المقام — بعد تسليم الإمام مباشرة — فلا ينصرف الناس، بل يلتفّون حوله يستمعون، وفيهم الصحابي والتابعي والحاج القادم من أقصى الأرض.

فقيهنا وقاصّنا.. مفخرتان لا مفخرة واحدة

حين تسأل: من كان يملأ هذا الدور في مكة المكرمة؟ يجيبك التاريخ باسم واحد قبل سواه: عبيد بن عمير الليثي. كان ورعاً زاهداً تقياً، يقص في المسجد الحرام، ومجلسه بين زمزم والحجر. وقد بلغت مكانته عند أهل مكة أن مجاهداً — وهو من هو في العلم — قال بكل فخر:

“كنّا نفخر بفقيهنا ونفخر بقاصِّنا؛ فأما فقيهنا فابن عباس، وأما قاصّنا فعبيد بن عمير” — مجاهد بن جبر

وعظَم أمر عبيد حتى جلس إلى مجلسه عبدالله بن عمر وعبدالله بن عباس يستمعان، فلما جاء الناس يستفتون ابن عمر وهو جالس في المجلس قال لهم: “خلوا بيننا وبين قاصِّنا”. فأيّ مكانة تلك التي تجعل ابن عمر يؤخّر الفتيا لأجلها؟

عائشة تُعلّم القاصّ أن يُجرعهم القطرة لا السيل

كان عبيد بن عمير على قدر كبير من التواضع العلمي، فكان يتردد على مجلس أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها يستفيد منها ويسألها. وذات يوم أوصته بوصية جمعت فيها حكمة التربية والتعليم في جملة واحدة:

“اقصص يومًا ودع يومًا، لا تُملَّ الناس. خفِّف، فإن الذكر ثقيل” — السيدة عائشة رضي الله عنها

في هذه الوصية درس لكل من يتصدى للوعظ والإرشاد في كل زمان: أن التأثير لا يُقاس بالكثرة، بل بأن تُجرعهم القطرة التي تنزل إلى الأعماق، لا بأن تغرقهم سيلاً يجري فوق السطح دون أن يرتوي منه أحد.

ضيف مكة الذي تنتظره القلوب كل موسم

ولم يكن القصاص من أبناء مكة وحدهم، بل فتحت مكة أذرعها لكل عالم آفاقي يحمل علماً نافعاً. وكان من أبرز هؤلاء الضيوف عمر بن ذر الكوفي الذي كان يقدم مكة حاجاً، فيجلس للناس ويذكّرهم بأمر الآخرة طوال أيام الموسم.

وكان لعمر بن ذر ميزة لا تُنسى: صوت رخيم، وتلبية تسحر من يسمعها؛ حتى إن الحجاج كانوا يقطعون تلبيتهم ليستمعوا إلى حسن تلبيته. وحين ينقضي الموسم لا يلقونه إلا في العام القادم، فكان الحجاج يعلمون أن لقاء موسم الحج لا يعني فقط الطواف والسعي، بل يعني أيضاً تلك الجلسة مع عمر بن ذر التي تبقى في الروح حتى الموسم التالي.

حين يطلب فقهاء مكة الوعظ من ضيفهم

تحكي كتب التراث أن الحسن البصري قدم مكة ذات موسم، فبادره فقهاء مكة بطلب غير معتاد: أن يجلس لهم يوماً يعظهم فيه. ويبدو في هذا الطلب أدبٌ علمي رفيع: علماء مكة أنفسهم يطلبون أن يستفيدوا من قادم، لأن طالب العلم الحق لا يرى العلم حكراً على بلده أو إقليمه.

فقبل الحسن وجلس لهم، فاجتمع الناس وخطبهم. يقول الراوي: “فما رأيت أخطب منه”. وليس الخطابة هنا مجرد فصاحة لسان، بل تلك القدرة النادرة على أن يجعل كلامه يهبط إلى قلوب الناس قبل أن يصل إلى آذانهم.

زهاد مكة.. حين يكون الزهد نفسه وعظاً

ولم يكن الوعظ في مكة مقتصراً على الكلمة المقولة؛ بل كانت هيئة العلماء أنفسهم رسالة. اتصف علماء مكة في تلك الحقبة بالنسك والورع والزهد ولين الجانب وطيب النفس، حتى كان طلاب العلم القادمون من سائر أرجاء العالم الإسلامي يحرصون على مجاورتهم لا لأجل العلم فحسب، بل لأجل الاقتداء بهديهم وسمتهم.

وكان محمد بن سيرين — التابعي الجليل في البصرة — إذا تخلّف عن الحج في عام أمر من يحج من أهله بأن ينظر إلى هدي القاسم بن محمد ولباسه وناصيته ليقتدي به. فصار هؤلاء العلماء معالم حجٍّ من نوع آخر: لا توقيت لها في المناسك، لكن يحجّ إليها القلب.

في موسم الحج.. مكة تعلّمنا أن الكلمة عبادة

ونحن نستقبل موسم الحج ١٤٤٧هـ وتمتلئ مكة المكرمة بملايين الحجاج من كل فج عميق، يطيب لنا أن نستحضر هذا الإرث العريق: إرث الكلمة الصادقة التي قيلت في رحاب المسجد الحرام، وبقي أثرها في قلوب سامعيها عبر القرون.

القصاصون الكبار في مكة لم يكونوا يبحثون عن جمهور، بل كانوا يبحثون عن أثر. وربما هذا ما يجعل ذكرهم باقياً بعد أكثر من أربعة عشر قرناً: أن كلامهم كان صادقاً من قلب صادق، إلى قلوب تتوق إلى الصدق.

في مكة المكرمة تاريخ لا يتسع له كتاب. وفي كل حجر من حجارة المسجد الحرام حكاية. وخلف المقام — في ذلك الموقع الذي لا يزال يشهد طواف الملايين — جلس يوماً رجل اسمه عبيد بن عمير، وفتح فمه بكلمة، فلم تُغلق قلوب من سمعوه حتى اليوم.

“كنّا نفخر بفقيهنا ونفخر بقاصِّنا” — مجاهد بن جبر — عن علماء مكة في صدر الإسلام

أمينة عبد الرحمن الزهراني

باحثة دكتوراه في التاريخ الإسلامي

 

مقالات سابقة للكاتب

4 تعليق على “خلف المقام.. كان يجلس رجلٌ يُحيي القلوب

غير معروف

مقال رائع من الكاتبه بارك الله فيها وفي طرحها

ندى

جميييل يادكتورة 😍😍سلمت الأنامل

امل

طرحٌ تاريخي مميز و جميل، وجهد يستحق الإشادة.

Fatmah

بارك الله فيك وفيما قدمتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *