نُصفّق للأطباء وهم يرددون قَسَم أبقراط في حفلات التخرج، ونُشيد بأخلاقيات المهنة التي يُعلنون الالتزام بها أمام الجميع. مشهد مهيب، يحمل في طيّاته رسالة إنسانية عظيمة. لكن، في المقابل، يقف بقية الخريجين متفرجين… بلا قَسَم، بلا ميثاق معلن، وكأن الأخلاق المهنية ليست مطلوبة منهم بالدرجة نفسها.
هنا يفرض السؤال نفسه بوضوح: لماذا يُمنح هذا الالتزام الأخلاقي العلني للأطباء وحدهم؟
أليست الأخطاء في مجالات أخرى قادرة على تدمير حياة الناس أيضًا؟
مهندس يخطئ قد يُسقط مبنى، موظف مالي فاسد قد يبدد ثروات، إداري غير نزيه قد يهدم مؤسسة، إعلامي غير مسؤول قد يضلل مجتمعًا كاملًا. فلماذا لا يُلزم هؤلاء جميعًا بقَسَم مهني واضح وصريح أمام المجتمع؟
إن حصر القَسَم في المجال الطبي يخلق انطباعًا خطيرًا، مفاده أن بقية المهن أقل احتياجًا للضبط الأخلاقي، أو أن النزاهة فيها خيار لا التزام. وهذا تصور غير عادل، بل ومضلل، في زمن تتسع فيه دائرة التأثير المهني لتشمل كل تفاصيل الحياة.
الأخلاق المهنية ليست ترفًا، ولا بندًا ثانويًا يُترك لاجتهاد الأفراد، بل هي خط الدفاع الأول ضد الفساد، والتسيب، واستغلال النفوذ. ومع ذلك، لا تزال معظم التخصصات تتخرج إلى سوق العمل دون أي التزام أخلاقي مُعلن، وكأن المجتمع لا ينتظر منها عهدًا ولا وعدًا.
المفارقة المؤلمة أن بعض الممارسات السلبية التي نراها في قطاعات متعددة – من رشوة، وتلاعب، وإهمال، وضعف في الإتقان – ليست إلا نتيجة مباشرة لغياب هذا الالتزام المعلن، وغياب ثقافة المحاسبة الذاتية التي يُفترض أن يبدأ ترسيخها منذ لحظة التخرج.
فلماذا لا نُعيد التفكير؟
لماذا لا يكون هناك قَسَم مهني موحد، يُردده جميع الخريجين دون استثناء، في لحظة واحدة تعلن فيها الأجيال الجديدة التزامها أمام الله ثم المجتمع؟
قسَم يُلزم الجميع بالنزاهة، والإتقان، وحفظ الحقوق، واحترام الإنسان، ومحاربة الفساد بكل صوره. قَسَم يُذكّر كل خريج أن شهادته ليست مجرد ورقة، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنية.
إن استمرار هذا التمييز غير المبرر بين التخصصات في الالتزام الأخلاقي العلني لم يعد مقبولًا، ولا يتماشى مع حجم التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا اليوم.
قسَم أبقراط تجربة عظيمة… لكن الإصرار على بقائها حكرًا على الأطباء فقط، هو تجاهل لحقيقة أكبر:
أن كل مهنة قد تُنقذ حياة… أو تُدمّرها.
مستشار اجتماعي
عبدالرحمن حسن جان
ماجستير خدمة اجتماعية
مقالات سابقة للكاتب