الفقر في صدر الإسلام… وأهل الصُّفَّة نموذجًا للتكافل والكرامة
تناولنا في مقالٍ سابق ملامح الاقتصاد في المدينة المنورة في العصر النبوي، ويأتي هذا المقال استجابةً لطلب عددٍ من القرّاء للحديث عن الفقر بصفة عامة، وعن أهل الصُّفَّة خاصة، باعتبارهم أحد أبرز نماذج التكافل في المجتمع الإسلامي الأول. لذا سنتناول في مقال هذا الأسبوع الحديث عنهم (رضي الله عنهم)، وكيفية تعايشهم مع المجتمع المدني في صدر الإسلام، وسندرك أن قضاياهم آنذاك تتشابه كثيرًا مع القضايا التي نعيشها حاليًا، وكيف يمكننا التعامل مع الفقر والعوز تأسّيًا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
بدايةً، يجد المتأمل في المجتمع الإسلامي الأول في المدينة المنورة نموذجًا مختلفًا في فهم الفقر والحاجة والتعامل معهما؛ إذ لم يكن الفقر مجرد حالة اقتصادية، بل كان جزءًا من اختبارٍ إنساني واجتماعي، أدارته الشريعة بمنظومةٍ متكاملة من الرحمة والتكافل.
لقد عرف المجتمع النبوي الفقر بوضوح، خاصة في السنوات الأولى للهجرة، حيث ترك كثير من المهاجرين أموالهم في مكة، وبدأوا حياةً جديدة في المدينة دون موارد كافية. ومن أبرز صور هذا الواقع ما عُرف بـ”أهل الصُّفَّة”، وهم جماعة من فقراء الصحابة كانوا يقيمون في موضعٍ مظلل في مؤخرة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، لا يملكون مأوى ولا مالًا، وإنما يعيشون على ما يأتيهم من صدقات المسلمين وإحسانهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة (رضي الله عنهم أجمعين) يعتنون بهم ويطعمونهم.
وقد بلغ عددهم، في بعض الروايات، نحو أربعمائة رجل، وكانوا يمثلون شريحةً من المجتمع تعيش في أشد حالات الحاجة، ومع ذلك لم يكونوا عبئًا سلبيًا، بل كانوا جزءًا فاعلًا في المجتمع؛ يتعلمون العلم، ويشاركون في الجهاد، ويلازمون النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ (البقرة: 273)، في إشارةٍ إلى فقرٍ مقرونٍ بالعفة والكرامة، حيث لا يسألون الناس إلحافًا رغم حاجتهم.
ومن أروع ما في أهل الصُّفَّة أنهم لم يكونوا مجرد فقراء، بل خرج منهم أعلام كبار في الإسلام، ومن أشهرهم: أبو هريرة، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وصهيب الرومي، وكعب بن مالك (رضي الله عنهم أجمعين).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوليهم عنايةً خاصة؛ فيجالسهم، ويؤانسهم، ويشاركهم طعامه، بل كان أحيانًا يربط الحجر على بطنه من الجوع كما كانوا يفعلون. وفي هذا درسٌ عظيم في القيادة الإنسانية التي لا تنفصل عن واقع الناس، ولا تعيش بمعزلٍ عن معاناتهم.
كما تجلت في المجتمع النبوي صورٌ رائعة من التكافل، حيث كان الصحابة يتسابقون في إطعام أهل الصُّفَّة، وكان بعضهم يأخذ الواحد أو الاثنين إلى بيته ليشاركه طعامه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من كان عنده طعامُ اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعامُ أربعة فليذهب بخامسٍ أو سادسٍ” (متفق عليه).
وهذا التوجيه النبوي يعكس روح المجتمع الذي لا يترك المحتاج وحده، بل يدمجه في حياة الناس اليومية.
ولم يكن علاج الفقر في الإسلام قائمًا على العاطفة فقط، بل على نظامٍ متكامل، في مقدمته الزكاة، التي جعلها الله حقًا معلومًا للفقراء في أموال الأغنياء، كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (المعارج: 24).
وهذا يدل على أن التكافل في الإسلام ليس تبرعًا اختياريًا، بل التزامًا شرعيًا يحقق التوازن في المجتمع.
كما حثّ الإسلام على العمل، وجعل السعي في طلب الرزق عبادة، حتى لا يبقى الإنسان أسير العوز إن استطاع الخروج منه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده، لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره، خيرٌ له من أن يأتي رجلًا فيسأله، أعطاه أو منعه” (متفق عليه).
وهذا يبيّن أن الإسلام جمع بين كرامة الفقير، وتشجيعه على العمل، وحماية المجتمع من الاتكالية.
إن الفقر في المجتمع النبوي لم يكن مدعاةً للطبقية أو الإقصاء، بل كان دافعًا لبناء مجتمعٍ متراحم، يشعر فيه الغني بمسؤوليته، ويحفظ فيه الفقير كرامته. ولذلك لم يكن العوز سببًا في تفكك المجتمع، بل كان أحد أسباب تماسكه.
وهنا يظهر الفرق بين المجتمعات التي تترك المحتاج يواجه مصيره، والمجتمع الإسلامي الذي جعله جزءًا من نسيجه، له حقٌّ معلوم، ومكانةٌ محفوظة.
إن مجتمعًا لا يُرى فيه الفقير أو المحتاج إلا رقمًا، هو مجتمع فقد إنسانيته، وإن مجتمع المدينة علّمنا أن الفقير قيمة، لا عبء.
فلنحذر من أن نرى الفقر مجرد رقم أو حالة اقتصادية، ونغفل أبعاده الإنسانية. فالمجتمعات لا تُقاس بثرواتها، بل بقدرتها على رعاية أضعف أفرادها.
ولنستحضر دائمًا قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (الضحى: 9-10)، كي نبني مجتمعًا يحفظ الكرامة، ويقيم العدل، ويجسد روح الإسلام في أسمى معانيه.
د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش
باحث في المصرفية الإسلامية والتمويل
الأربعاء 27 شوال 1447هـ
مقالات سابقة للكاتب