🖋️ في مواقفٍ قليلة، تختصر حياة الإنسان كلها في لحظة واحدة…
لحظة صدق، ولحظة فداء، ولحظة تُكتب بها نهاية الحياة الدنيا بأحرفٍ من نور.
مصلح بن حمد بن حويل آل رشيد – رحمه الله رحمةً واسعة – لم يكن مجرد اسمٍ عابر، بل كان مثالًا حيًا للأب، وللرجل الذي غلبت فطرته الصادقة، وحبه الغامر لولده، فسبق قلبه تفكيره.
حين سقط أحد أبنائه في البحر، لم يتردد، لم يحسب، لم ينتظر… قفز بدافع الأبوة – ونسي أنه لا يجيد السباحة – لينقذ ابنه، فعاش الابن واختار الله لأبيه أن يكون ذلك آخر عهده بالدنيا.
رحل قبل يومين الصديق العزيز الغالي مصلح وبقيت قصته…
قصة بطلٍ ضحّى بنفسه ليُحيي روحًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا.
نرجو له من الله أن يجمع له من الأجور:
أجر الشهيد بما ورد في الغريق، وأجر إحياء النفس، وأجر الرحمة والإيثار ،،
- أجر الشهيد:
قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
«الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله»
(رواه أبو هريرة، في صحيح البخاري وصحيح مسلم)
- وأجر إحياء نفس فكيف إذا كان الإنقاذ لابنه
قال الله تعالى في القرآن:
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾
(سورة القرآن الكريم – المائدة: 32)
- وأجر الرحمة والتضحية (خاصةً لولده)
وهذا من أعظم صور الرحمة والفطرة السليمة، والنبي ﷺ قال: ( الراحمون يرحمهم الرحمن ).
ومن الوفاء أن يُذكر الرجل بما كان عليه، وقد شهد لمصلح كل من عرفه بحسن الخلق، وطيب المعشر، وصدق السريرة وحب الخير للناس.
وحين قصد إخوانه ينبع – التي استقر فيها مصلح منذ سنين – للدفن والعزاء، وجدوا ذكره الجميل يسبقهم في كل مجلس، وعلى كل لسان، فكل من عرفه أو سمع به يذكره بالخلُق الجميل والصفات الحميدة ويلهج بالدعاء له، فنحسب أن الله قد نشر له القبول في الأرض.
ولا عجب…
فقد نشأ في بيتٍ غُرست فيه القيم، ربّاه والده حمد حفظه الله على مكارم الأخلاق، وعلى معالي الأمور.
ويشهد على ذلك ما أراه أيضا في إخوانه الأصدقاء الكرام: سعيد، ومسفر، وعيد، وغيرهم من إخوانهم ممن تجلت فيهم تلك الفضائل، وكل ذلك من تأثير تلك التربية الطيبة وذاك الغرس الجميل.
رحم الله مصلح بن حمد،
وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته،
وربط على قلوب أهله ومحبيه،
وجعل قصته درسًا في معنى الأبوة، والتضحية، والوفاء.
إنها ليست نهاية رجل…
بل بداية قصة خالدة لأب بطل لم يتأخر لحظه في إنقاذ فلذة كبده، قصة ترويها الأجيال كمثال حي على الشهامة والتضحية والرحمة.
اللهم وأنت أرحم به من أبيه وأمه؛ أفض عليه من رحماتك كما رحم ولده، وأكرم نُزُله ووسّع مدخله ونقِّه من الذنوب والخطايا كما ينقُى الثوب الأبيض من الدنس.
واجمعنا به وأحبابنا في جناتك جنات النعيم.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
مقالات سابقة للكاتب