خليص في التاريخ المنسي ( ٤٩ )

قراءة في الذاكرة

الشريف عبدالعزيز بن عبدالله آل عجلان القاسمي، باحث في التاريخ، يقدّم قراءة دقيقة لما يمكن وصفه بـ«تفاصيل الذاكرة المصفوفة على رفوف الزمن»، تلك التي تمرّ سريعًا في مسار التاريخ، لكنها تبقى محفوظة بالتوثيق كشاهدٍ على الماضي في مواجهة الغفلة.

يتحرك الباحث بين الوثائق بخفة العارف ودراية المتأمل، كمتسلّق جبالٍ يتنقل بين رفوف الأرشيف، يمسح ما علق بها من غبار الأيام، في زمنٍ انشغل فيه الأحياء بالحياة، وانشغلت المسافات بنهاياتها. يجوب المدن كما يفعل عالم الآثار، وينقل القارئ من جغرافية المكان إلى جغرافية النص، لتتجلى اللحظة كأنها «انتظارٌ متحقق».

وينقل لنا معلومات نادرة عن وادي (عسفان) ووادي (خليص) قبل أكثر من 70 عامًا، مرفقة بأسماء بعض سكان وادي خليص ضمن منشورات البعثة الصحية الأمريكية لقرى مكة المكرمة عام 1372هـ / 1953م.

النص: إلى السيد ج. و. فيرغسون، رئيس قسم الصحة

من: ج. مايلز بتلر، أخصائي الملاريا

الموضوع: التقرير الشهري – أكتوبر 1953م

يلي ما سبق سردٌ للملاحظات التي أُجريت في «عسفان» و«وادي خليص»، اللذين تمت زيارتهما في 28 يوليو 1953م، مع الإشارة إلى أن معلومات أخرى متعلقة بهذه الرحلة سترد في التقرير الشهري لشهر يوليو. وقد أُجريت هذه الرحلة الاستطلاعية بشكل أساسي للتحقق من بعض التدابير الأولية للصحة.

وادي عسفان (حوالي 57 كم شمال شرق جدة):

تتكون هذه القرية الصغيرة من نحو 30 كوخًا، تشبه في مظهرها العام وإنشائها أكواخ وادي فاطمة، باستثناء أنها مصنوعة من القصب المحبوك بدلًا من أوراق النخيل.

تمكنا من فحص (رش) تسعة أكواخ، وتبين أنها جميعًا سلبية لبعوض «الأنوفيلة» و«الكيوكس».

تقع المزارع على بعد نحو 7 كم جنوب القرية، ويتم الحصول على إمدادات المياه من آبار تُسحب منها المياه بواسطة حيوانات المزرعة باستخدام دلاء جلدية ذهابًا وإيابًا إلى سطح الأرض. ولوحظ أن بعض بساتين النخيل تعاني من جفاف طويل. ووفقًا للأهالي، فإن نقص المياه يعود إلى عدم وجود عدد كافٍ من حيوانات المزرعة لتشغيل الآبار.

وفي المزرعتين اللتين تمت زيارتهما، كانت برك التسريب نادرة جدًا، ولم يُر سوى واحدة أو اثنتين قرب الآبار. وأظهر فحص ثلاث من برك التسريب وبئرين خلوّها من يرقات البعوض.

تم إجراء عملية الرش في كوخين فقط في المنطقة المجاورة للمزارع، حيث تعذر العثور على البعوض. وقد قاوم الفلاحون المزيد من عمليات الرش داخل منازلهم، وهو ما ورد في التقرير الشهري لشهر يوليو، مما يشير إلى ضرورة زيارة القرية أكثر من مرة لإجراء «أحاديث ودية» والتدرج في شرح الجوانب الفنية للمشكلة.

ويرى التقرير أنه في حال عدم التعاون، فإن أي مشروع يبدأ في المنطقة من قبل هذا القسم قد يتم التخلي عنه فور سحب دعم البعثة.

وادي خليص (حوالي 82 كم شمال شرق جدة):

تشبه القرية ما سبق ذكره، باستثناء وجود بعض البيوت المبنية من اللبن (الطين)، وقد أعطت عمليات الرش التي أُجريت في عشر غرف وأكواخ نتائج سلبية.

تقع المزارع على بعد 6 كم شرق القرية، وقد ذكر الأهالي أنه لا يوجد سوى نبع واحد في المنطقة، إلا أن الملاحظات أشارت إلى وجود آبار أخرى تُشغَّل بواسطة حيوانات المزرعة.

تم فحص قناة الري الرئيسية والخنادق المتصلة بالنبع، إضافة إلى برك التسريب الناتجة عن تسرب المياه في قنوات الري المسدودة، وقد أظهرت جميع الفحوص خلوّها من يرقات البعوض. وكانت الظروف في هذه المزارع مشابهة تقريبًا لظروف مزارع وادي فاطمة.

وتشير البيانات التالية إلى أسماء (20) شخصًا وأعمارهم ونتائج مسحات الدم.

جدول بيانات (وادي خليص) الثلاثاء 27 / 11 / 1372هـ الموافق 28 / 7 / 1953م.

 

محمد علي الشيخ 

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *