ﻳﺼﺮخ ﻃﻔﻞ ﻓﻼ ﻳُﺴﺘﺠﺎب ﻟﻪ، ﻓﻴﺼﺮخ أﻛﺜﺮ، وﻗﺪ ﻳﻐﻀﺐ أو ﻳﻌﺒﺚ ﺑﻤﺎ ﺣﻮﻟﻪ ﻃﻠﺒﺎ ﻟﻠﻔﺖ اﻻﻧﺘﺒﺎه. ﻫﻨﺎ ﻳﺒﺪأ أﺛﺮ اﻟﺘﺠﺎﻫﻞ ﻓﻲ اﻟﻈﻬﻮر …ﻓﻠﻴﺲ ﻛﻞ ﺻﻤﺖ ﺣﻜﻤﺔ، وﻟﻴﺲ ﻛﻞ ﺗﺠﺎﻫﻞ ﻗﺴﻮة.
ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺎﺗﻨﺎ اﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺗﺘﺪاﺧﻞ اﻟﻤﻌﺎﻧﻲ أﺣﻴﺎﻧﺎ ﺑﻴﻦ اﻟﺘﺠﺎﻫﻞ واﻟﺘﻐﺎﻓﻞ واﻟﺘﺴﺎﻣﺢ، رﻏﻢ أن ﻟﻜﻞ ﻣﻨﻬﺎ أﺛﺮه اﻟﻤﺨﺘﻠﻒ. ﻓﺎﻟﺘﺠﺎﻫﻞ اﻟﺬي ﻳُﺸﻌﺮ اﻵﺧﺮ ﺑﻌﺪم ﻗﻴﻤﺘﻪ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ اﻟﺘﻐﺎﻓﻞ اﻟﺤﻜﻴﻢ اﻟﺬي ﻳﻘﺼﺪ ﺑﻪ ﺗﺠﺎوز ﺑﻌﺾ اﻟﻤﻮاﻗﻒ ﺣﻔﺎﻇﺎ ﻋﲆ اﻟﻌﻼﻗﺎت وراﺣﺔ اﻟﻨﻔﺲ. وﺑﻴﻦ ﻫﺬا وذاك ﺗﺘﺤﺪد اﻟﻨﺘﺎﺋﺞ.
ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﺪﻧﻰ اﻹﺣﺴﺎس، وﺗﺮﺗﻔﻊ اﻟﻼﻣﺒﺎﻻة، وﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻔﻘﺪ اﻟﻜﻼم أﺛﺮه ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻃﻔﺔ واﻟﻤﻨﻄﻖ، وﻳﻐﻴﺐ اﻟﺘﻮاﺻﻞ رﻏﻢ ﺣﻀﻮر أﺻﺤﺎﺑﻪ، ﻗﺪ ﺗﻈﻬﺮ ردود ﻓﻌﻞ ﻏﺎﺿﺒﺔ أو ﻣﺆﻟﻤﺔ ﺑﺤﺜﺎ ﻋﻦ أي ﻣﺴﺎﺣﺔ ﻟﻠﺸﻌﻮر واﻻﻫﺘﻤﺎم.
وﻟﻴﺲ اﻷﻃﻔﺎل وﺣﺪﻫﻢ ﻣﻦ ﻳﺘﺄﺛﺮون ﺑﺬﻟﻚ …ﻓﺎﻟﺘﺠﺎﻫﻞ اﻟﻤﺴﺘﻤﺮ ﻗﺪ ﻳﺪﻓﻊ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﺒﺎﻟﻎ إﱃ اﻻﻧﺴﺤﺎب
أو اﻟﺴﺨﻂ أو اﻟﺼﻤﺖ اﻟﻤﺆﻟﻢ، ﺧﺎﺻﺔ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﺄن وﺟﻮده أو ﻣﺸﺎﻋﺮه ﻟﻢ ﺗﻌﺪ ﻣﺤﻞ ﺗﻘﺪﻳﺮ. وﺗﺨﺘﻠﻒ ﺻﻮر اﻟﺘﻐﺎﻓﻞ واﻟﺘﺠﺎﻫﻞ ﺑﺎﺧﺘﻼف اﻟﻌﻼﻗﺎت واﻟﻤﻮاﻗﻒ، وﻟﻜﻞ ﻣﻨﻬﺎ أﺛﺮه اﻟﺨﺎص.
أوﻻً: ﻣﻊ اﻟﺬات
ﻳﻌﻴﺶ اﻹﻧﺴﺎن ﺑﻴﻦ ﻣﺸﺎﻋﺮه وﺗﻘﻠﺒﺎﺗﻪ اﻟﻴﻮﻣﻴﺔ، وﻗﺪ ﻳﺮﻫﻖ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﻜﺜﺮة اﻟﺘﻔﻜﻴﺮ واﻟﻠﻮم واﻻﻟﺘﻔﺎت ﻟﻜﻞ ﻣﺎ ﻳﺰﻋﺠﻪ. وﻫﻨﺎ ﻗﺪ ﻳﻜﻮن اﻟﺘﻐﺎﻓﻞ ﻋﻦ ﺑﻌﺾ اﻷﻣﻮر وﺳﻴﻠﺔ ﺻﺤﻴﺔ ﻻﺳﺘﻌﺎدة اﻟﺘﻮازن اﻟﻨﻔﺴﻲ، ﻻ ﻫﺮوﺑﺎ ﻣﻦ اﻟﻮاﻗﻊ، ﺑﻞ ﺗﺨﻔﻴﻔﺎ ﻣﻦ اﻻﺳﺘﻨﺰاف اﻟﺪاﺧﻠﻲ.
ﺛﺎﻧﻴًﺎ: داﺧﻞ اﻷﺳﺮة
اﻟﻌﻼﻗﺔ اﻷﺳﺮﻳﺔ ﺗﻘﻮم ﻋﲆ اﻟﻤﻮدة واﻟﺮﺣﻤﺔ، وﻟﺬﻟﻚ ﻳﺒﻘﻰ اﻟﺤﻮار واﻻﺣﺘﻮاء أﺳﺎﺳﻬﺎ اﻷول. وﻗﺪ ﻳُﺴﺘﺨﺪم ﺗﺠﺎﻫﻞ ﺑﻌﺾ اﻟﺴﻠﻮﻛﻴﺎت اﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﻣﻊ اﻷﻃﻔﺎل ﺑﺼﻮرة ﺗﺮﺑﻮﻳﺔ ﻣﺪروﺳﺔ ﻟﺘﺨﻔﻴﻒ ﺗﻜﺮارﻫﺎ، ﻟﻜﻦ ﺗﺠﺎﻫﻞ اﻟﻤﺸﺎﻋﺮ أو اﻻﺣﺘﻴﺎﺟﺎت اﻟﻌﺎﻃﻔﻴﺔ ﻳﺘﺮك أﺛﺮا ﻣﺨﺘﻠﻔﺎ ﻗﺪ ﻻ ﻳﻈﻬﺮ ﺳﺮﻳﻌﺎ. واﻟﻔﺮق ﻛﺒﻴﺮ ﺑﻴﻦ ﺗﻐﺎﻓﻞ ﻳﻬﺪف ﻟﻠﺘﺮﺑﻴﺔ، وﺗﺠﺎﻫﻞ ﻳﺸﻌﺮ اﻹﻧﺴﺎن ﺑﺎﻹﻫﻤﺎل أو اﻟﻘﺴﻮة.
ﺛﺎﻟﺜًﺎ: ﻓﻲ ﻣﺤﻴﻂ اﻟﻌﺎﺋﻠﺔ اﻟﻤﻤﺘﺪة
ﻗﺪ ﻳﻘﻞ اﻟﺘﻮاﺻﻞ أﺣﻴﺎﻧﺎ ﺑﺴﺒﺐ اﻻﻧﺸﻐﺎل وﺿﻐﻮط اﻟﺤﻴﺎة، دون أن ﻳﻜﻮن ذﻟﻚ ﺗﺠﺎﻫﻼ ﻣﻘﺼﻮدا. وﻫﻨﺎ ﻳﺼﺒﺢ اﻟﺘﻐﺎﻓﻞ ﻋﻦ ﺑﻌﺾ اﻟﺘﻘﺼﻴﺮ، واﻟﺘﻤﺎس اﻷﻋﺬار، وإﻋﺎدة ﺗﻨﻈﻴﻢ اﻟﻌﻼﻗﺎت ﺑﻤﺎ ﻳﻨﺎﺳﺐ اﻟﻈﺮوف، ﻣﻦ اﻷﻣﻮر اﻟﺘﻲ ﺗﺤﻔﻆ اﻟﻮد وﺗﺨﻔﻒ اﻟﺘﻮﺗﺮ.
راﺑﻌًﺎ: ﻓﻲ ﺑﻴﺌﺔ اﻟﻌﻤﻞ
ﺗﺘﻄﻠﺐ ﺑﻴﺌﺔ اﻟﻌﻤﻞ ﺗﻮاﺻﻼ واﺿﺤﺎ وﺗﻌﺎوﻧﺎ ﻣﺴﺘﻤﺮا. ﻓﺘﺠﺎﻫﻞ رﺳﺎﻟﺔ ﻣﻬﻤﺔ أو ﻣﻮﻗﻒ ﻣﻬﻨﻲ ﻗﺪ ﻳﻨﻌﻜﺲ
ﺳﻠﺒﺎ ﻋﲆ اﻷداء واﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﻤﻬﻨﻴﺔ. ﻟﺬﻟﻚ ﻳﻜﻮن اﻟﺘﻮازن ﺑﻴﻦ اﻟﺘﻐﺎﻓﻞ اﻟﺤﻜﻴﻢ ﻋﻦ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﻮاﻗﻒ واﻟﺼﺪاﻣﺎت اﻟﻤﺴﺘﻨﺰﻓﺔ، واﻟﻤﻮاﺟﻬﺔ اﻟﻬﺎدﺋﺔ ﻋﻨﺪ اﻟﺤﺎﺟﺔ، ﻫﻮ اﻟﺨﻴﺎر اﻷﻛﺜﺮ ﻧﻀﺠﺎ.
ﺧﺎﻣﺴًﺎ: ﻓﻲ داﺋﺮة اﻷﺻﺪﻗﺎء
اﻷﺻﺪﻗﺎء ﻣﺴﺎﺣﺔ ﻟﻠﺮاﺣﺔ وﻣﺸﺎرﻛﺔ ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ اﻟﺤﻴﺎة، ﻟﻜﻦ اﻟﻌﻼﻗﺎت ﻻ ﺗﺒﻘﻰ داﺋﻤﺎ ﻋﲆ اﻟﻮﺗﻴﺮة ﻧﻔﺴﻬﺎ. ﻓﻘﺪ ﺗﻔﺮض اﻟﻈﺮوف ﺗﺒﺎﻋﺪا أو ﻓﺘﻮرا، وﻫﻨﺎ ﻳﻜﻮن اﻟﺘﻐﺎﻓﻞ أﺣﻴﺎﻧﺎ ﺣﻔﺎﻇﺎ ﻋﲆ ﻣﺎ ﺗﺒﻘﻰ ﻣﻦ اﻟﻮد، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﺘﺤﻮل اﻟﺘﺠﺎﻫﻞ اﻟﻤﺘﻜﺮر أﺣﻴﺎﻧﺎ أﺧﺮى إﱃ رﺳﺎﻟﺔ ﺻﺎﻣﺘﺔ ﺑﻀﻌﻒ اﻟﻌﻼﻗﺔ أو ﻧﻬﺎﻳﺘﻬﺎ.
ﻓﻲ اﻟﻨﻬﺎﻳﺔ، ﻳﺒﻘﻰ اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻵﺧﺮﻳﻦ ﻣﻬﺎرة دﻗﻴﻘﺔ، ﻻ ﺗُﻘﺎس ﺑﺤﺪّﺗﻬﺎ ﺑﻞ ﺑﻤﻮﺿﻌﻬﺎ. ﻓﻠﻴﺲ ﻛﻞ ﺗﺠﺎﻫﻞ ﺣﻜﻤﺔ، وﻟﻴﺲ ﻛﻞ ﻣﻮاﺟﻬﺔ ﺻﻮاﺑﺎ، وإﻧﻤﺎ اﻟﻮﻋﻲ ﺑﻤﺘﻰ ﻧﺘﻐﺎﻓﻞ، وﻣﺘﻰ ﻧﺘﺤﺪث، وﻣﺘﻰ ﻧﻌﻄﻲ اﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﺣﻘﻬﺎ، ﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺼﻨﻊ اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻷﻛﺜﺮ اﺗﺰاﻧﺎ .
أﺳﻴﻤﺎء ﻋﻮﻳﻀﺔ
مقالات سابقة للكاتب