العشاق بين الفراق والوفاق

ليست العلاقة التي تُبنى على الفراق والرجوع علاقةً عادية، ولا يمكن اختصارها في كلمة “تقلّب” أو “تردد”. هي أعمق من ذلك بكثير؛ إنها حكاية مُركّبة بين قلبين يعرفان بعضهما أكثر مما ينبغي، لكنهما لم يعرفا كيف يعيشان بسلام.

يقول جبران:
“قد لا يكون الحب هو ما يجعلكما سعيدين دائماً، لكنه ما يجعلكما صادقين دائماً” .

في هذا النوع من العلاقات، لا يكون الفراق قراراً نهائياً، بل محاولة يائسة للاستراحة من الوجع.. كل مرة يقولان: “هذه آخر مرة” ، لا لأن المشاعر انتهت، بل لأن الألم صار أثقل من الاحتمال.
غير أن الحنين غالباً ما ينتصر، فالحنين لا يعرف المنطق، ولا يعترف بالكبرياء، ولا يحترم مواعيد النسيان.
يتراجعان فيرجعان، لأن كل شيء فيهما ومن حولهما يذكرهما ببعض، والقلبُ إذا أحبّ، لا يعقل، والنسيان لا يقتل الحب، لكنه يعلّمه كيف يتألم بصمت.
مهما انتقلا إلى محطات حب أخرى لا يمكنهما التخلي عن أول حب، فالذاكرة لا تعرف البدائل، والقلب لا يعترف بالبدلاء.

يهمس أحد العشّاق قائلاً:
نعود لأننا لم نغادر من القلب أصلاً.

وما أصدق قول الشاعر :
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأولِ

كم منزل في الأرض يعشقه الفتى
وحنينه أبداً لأول منزل

هي علاقة يتساوى فيها الحب والوجع، ويتعادل فيها الصمت والكلام. كثير من الأشياء لا تُقال .. لأنها أعمق من أن تُقال .. يختصرها غسّان كنفاني فيقول: “بعض الصمت أصدق من ألف كلمة”.
يتبعهم العناد كظلّ، ويقوّيهم الشوق كوقود، يعيشون دائماً على أمل أن تكون المرة القادمة أهدأ، أنضج، أقلّ كسراً، لكنهم، بصدقٍ موجع، يعودون إلى نفس الدائرة.. نفس البداية، نفس النهاية المؤقتة.
ورغم كل هذا، لا يستطيع أحدهما كره الآخر، لأن العلاقة التي تبدأ من صدق حين تنكسر تبقى فيها روح لا تموت، قد تتشقق، قد تبهت، لكنها لا تُمحى، فهناك فرق بين علاقة فشلت، وعلاقة تعبت.
هي قصة قلبين تعبا من الفراق، ولم يستطيعا العيش معاً على وفاق، يتأرجحان دائماً بين جملتين: (أحتاجك) (وأحاول أن أنساك) ! حبّ لم يُترك له أن يكبر، وحنين لم يقدرا على دفنه، لذلك هذا النوع من العلاقات لا يُنسى، لأنه ينحفر في الذاكرة مثل الجرح؛ كلما ظننت أنه التأم، عاد ينزف من جديد، والمحزن في العلاقات التي تُبنى على الرجوع بعد الفقد، أنها لا تُشفى تماماً، ورغم الوجع، تبقى هذه العلاقات أصدق من كثير من قصص الحب الهادئة، لأنها لم تُبنَ على السهولة، ولا على الاكتفاء السريع، بل على تجربة الفقد وطعم الرجوع.
كثيرون أحبّوا، لكن قلة فقط فقدوا ثم عادوا، وعرفوا كيف يتبدّل القلب بعد الغياب.
هذه ليست علاقة مثالية، ولا يُنصح بها لكل قلب، لكنها حقيقية، وحين تكون العلاقات حقيقية، تكون مؤلمة، صادقة، ولا تُنسى.. كما قال محمود درويش:
“نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً، ونحب من الحب ما أتعب”.

أحمد القاري
المدينة المنورة
a.a.qari@hotmail.com

مقالات سابقة للكاتب

13 تعليق على “العشاق بين الفراق والوفاق

عبدالمحسن عبدالعزيز حافظ

مبدع كعادتك يا ابا عبدالله
الحب نعمة عندما يكون في مكانه الصحيح
سلمت أناملك يا اخي وصديقي

ناصر يحيى

الله

مقال جميل ومعبّر عن وضع موجود ومنتشر بقوة بين العشاق
واعتقد هناك اسباب عدة منها
عوامل خارجية كأن يكون هناك شخص اخرى من الاسرة يؤثر على على العاشقين
او
غباء احدهما في التعامل مع مشاعر الشخص الاخر
او
اختلاف الوعي او الثقافة بينهما

واختم واقول :
لا تسأل الانسان لماذا احب لان الله يقذف الحب تجاه من احب
فالحب والقلب حاكم ولا يسعد الانسان ولا يزهوا الا مع من احب

فيصل الصاعدي

ما هذا يا أبا عبدالله!
لقد فككت كيمياء الحب وبينت لنا جزيئاته،
وطرقت موضوعًا يصعبُ طرحه، وهو القيود التي تربط قلبين يتعاركان دومًا،
رغم اعترافهما بالحب وأنهما لا يستطيعان البعد عن بعضهما.

ما أجمل الحب وما أقساه!
كأنه إدمان قد يضر بنا،
ولكنه في الوقت ذاته يهدينا نشوة وسعادة

قلمكم يا د. أحمد يقطر بالحكمة وكأنه مشرط قد يؤلم ولكنه يبحث عن الداء لكي يهدي له الدواء

محبكم وأخوكم/ فيصل الصاعدي

د.أحلام كردي

اللهم بارك يا لك من شخص رائع مبدع
عباراتك تعبر عن الحب العميق، التقدير، الامتنان النادر وجوده…. بالإختصار أصدق ماقرأت …❤️

عبادي النرجس

رائع جداً يا سيدي أحمد
اصبت الكثير مما كان بالخاطر وربما قد وصفته .
سَلِم بوحك وزادك فكرك وارتقى قلمك 🖊️
ومنكم نتعلم ونستفيد
لك خالص التحية 🫡

نوره القحطاني

يا لعمق هذا البوح الذي لا يشبه الا القلوب التي عاشت حد الانطفاء ثم اضاءها الحنين من جديد
نصك ليس عن علاقة تعود بعد فراق بل عن روحين كلما ابتعدتا اقتربتا اكثر كأن المسافة بينهما طريق مختصر الى القلب

قرأته فشعرت وكأنك كتبت عن حب لا يشيخ حب يتعب لكنه لا يموت
عن قلبين يشبهان ماءين تفصلهما صخرة لكن سر اللقاء يبقى في الشق الضيق الذي يسمح لهما بالتماس دون ان يختلطا

هذا النص ليس وصفا لعلاقة بل مرآة لقلوب كثيرة لم تجد في الحياة فرصة ان تكون هادئة فصنعت هدوءها بالوجع

واعجبني قولك فرق بين علاقة فشلت وعلاقة تعبت
ويا لها من عبارة تليق بالعابرين بين اطلال الذكرى من ينامون على اصلاح ما لا يصلح ثم يستيقظون ليجدوا ان الحنين اخر خيط في تاريخ النجاة

نص يشبه غيمة لا تمطر لكنها تحمل المطر في احتمالاتها
يشبه بابا مفتوحا على رجوع متكرر
يشبه وعدا لم يكتب بصوت بل ترك في القلب مثل نقش لا يمحى

بوركت اليد التي كتبت
وبورك الالم الذي صار نصا
وبورك الحب الذي لم يجد خلاصه
فصار خلاص القارئ من صمته
نوره القحطاني ♡

عدنان أحمد السقاف

يا صاحب القلم الذي كتب عن الفراق وكأنه يكتب تاريخ الوجدان…
لقد قرأتُ مقالك فشعرتُ أنني لا أقرأ نصًا، بل أستمع إلى قلبٍ يشرح حكمته بأناة،
ويعترف بجرأته، ويُسجِّل للتجربة صوتًا لا يُمحى.

أعجبتُ بأنك نزعتَ عن الحبّ مثالياته،
وأعدته إلى صورته الحقيقية:
ضعيفًا، قويًا، مُتعَبًا، راجعًا رغم الانكسار.

وما أجمل قولك حين جعلتَ للرجوع معنى أعمق من المصالحة،
كأنه ميلادٌ جديد يُفتح من رحم الفراق نفسه.

لقد كتبتَ بحسٍّ يعرف الطريق إلى النفس،
وبلغةٍ تشبه المشي على أطراف الوجع،
وبجرأةٍ تُشعر القارئ أنه يرى نفسه بين السطور.

نصّك لا يمرّ…
بل يستقرّ ويترك أثرًا هادئًا،
كأنما يقول:
الفراقُ زمنٌ، أمّا المحبة فتبقى حيث وُلدت… لا تغادر.

دمتَ صوتًا لا يُقلَّد،
وقلمًا يوقظ في أعماقنا ما اعتقدناه طواه النسيان.

Sabi sweet

كتبت فأبدعت 👌🏼
مقال جميل جدا ومؤلم لأنه يشرح حقيقة مايعيشه المحبين من صدق وألم ومعاناة 😔

بشرى الحافظ

أبدعت أستاذ أحمد في نثر تأملات العشق والحب على صدر الصفحات وبين يدي الورقة والقلم…
دام نبض حرفك أنيقًا أينما رافقتك الكلمات.

محمد أسامة

يا هلا والله بالغالي أبو عبد الله
حياكم الله
وأسعد الله أوقاتكم بالخير والمسرات

ما أجمل هذا المقال ، وما أعذب كلماته ، لا سيما وأنه تناول موضوعاً متعلقاً بالمشاعر والعواطف ، فكان كل حرف معبراً عن ألف معنى ومعنى.
وهذا الجمال والإبداع والألق غير مستغرب منكم ، فالطيب من مأتاه لا يستغرب.
سلمت أناملكم ، ودام جمال قلمكم.
🌹🌹

نجوى ضيف الله

مقال جميل جدًا بارك الله فيك.

رغد المحسن

مقالك يا استاذ احمد كان عميق ولامس شي يعيشه كثير من اللي مروا بدوامة الفراق والرجوع وما كان مجرد وصف بسيط بل لمس جوهر المشاعر اللي تتعب وما تخلص
طرحك كان هادي وواضح ووصل فكرة العلاقات اللي ما تنفهم بالعقل بس يحسها القلب واللي دايم تكون بين الاحتياج والحنين ومحاولات النسيان
يعطيك العافيه على هالكلام اللي وصل قبل ما ينقرا

فاطمة الهاشمي

كتبت وكأنك أحد هؤلاء العشاق عشت سعادتهم كما عشت لوعتهم وألمهم اللذيذ
هنيئا للقلم الذي تتشابك عليه أناملك فتسير بثبات وثقة لتخط روائعك
وهنا من أروع الروائع ( سيرة العشاق)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *