تربية الحكمة

الحكمة ليست كسبا ذاتيا .. وإنما ( منحة ربانية ) إذ يقول ربنا سبحانه ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ).
والسؤال المهم كيف يمكننا أن نقترب أو أن نحقق هذا المعنى في حياتنا ونربيه في أجيالنا؟.
والخلاصة التي ننطلق منها هي كيف نكون مؤهلين لاستحقاق هذا الوصف المهيب وهذا المعنى الغني والثري؟ ..!!

ومع كل ما قيل عن معاني الحكمة في القرآن العظيم بأنها ( الفهم والعقل وفقه القرآن والنبوة والخشية .. الخ ) فإن مدارها عموما هو في ( تنزيل الأمور منازلها سواء في نفسك او فيما يعرض لك وفي تعاملك مع غيرك).

وعند ( السعدي ) قال :
فكمال العبد متوقف على الحكمة، إذ كماله بتكميل قوتيه العلمية والعملية .
فتكميل قوته العلمية : بمعرفة الحق ، ومعرفة المقصود به .
وتكميل قوته العملية : بالعمل بالخير ، وترك الشر .
وبذلك يتمكن من الإصابة بالقول والعمل ، وتنزيل الأمور منازلها في نفسه وفي غيره . وبدون ذلك ، لا يمكنه ذلك.

والتنبيه هنا لأمرين :
الأول : استحقاق الهداية للحكمة.
والثاني: كيف نربيها في أجيالنا؟.
اما الأول .. فلا يمكن أي بستحيل أن يؤتى الحكمة ( وهي معرفة او الهداية للحق والصواب في القول والفعل ) من حاد الله ورسوله ؛ ولو كان من أنبه الناس وأذكاهم.
فالهداية للحكمة تحتاج لقلب نقي تقي خشي عامل متضرع لله ومتوكل عليه.
حينها يمكن للحكمة أن تتنزل عليه ( فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ) .. فالله أنزل سكينته لأن الصحابة (كانوا أهلا لها) بعظيم خشيتهم لله.
فإذا علم الله منك القرب منه قربك أكثر إلى معانيه وهداياته ومرضاته. ( هذا اولا ).

أما عن أسلوب التربية الحكيم فمع الوعي بأهمية وشريطة الأول فإن ..
تربية الحكمة تحتاج لأمور لأمور عشرة 10 هي :
أن نؤكد على من نحب ومن نريد منه (الاتصاف) بالحكمة أن يتحرى (الانصاف ) في اخذه ورده وتعامله وتقييمه لكل شيء. فلا حكمة أبدا دون هذا الشرط.

أن نربي في عقلية الإنسان ( تقدير العواقب ) فلا حكمة دون أن توازن الأمور قبل البدء بها وما هي جوانب السلب والإيجاب فيها. ثم ( تقدم أو تحجم ) بناء على ما يتبين لك من هذه ( الموازنة ).

الحكمة تقتضي النظر إلى الأسباب التي تؤدي للنتائج ؛ فالإشكالية هي عدم قدرتنا على التشخيص السليم للأحداث ؛ وأننا نهتم بالأعراض دون الوصول إلى الجذور والظروف المسببة لما يظهر لنا.

تربية الحكمة تقتضي أن نقارن الحدث بأشباهه حتى نستطيع أن نقترب من فهم أعمق لما يمكن أن يكون عليه (الحال أو المآل).

تربية الحكمة تحتاج للهدوء الذي يمكننا من النظر في العمق لأن ( الغليان ) يحجب قدرتنا من التمكن من رؤية القاع.
وحالة الصخب يصعب معها التركيز.

ومع الهدوء فإن الحكمة تحتاج ( للجرأة ) لأن التردد والتشكك والتباطئ يمكن أن يفوت الفرصة ( فالحمكة جرأة ) كذلك.

تربية الحكمة تعني اكتساب الخبرة ؛ إذا لا يمكن للإنسان ان يكتسب ( الحكمة ) دون أن يكون فاعلا متفاعلا مع الناس والأحدات. فكيف له أن يضع الأشياء في محلها الصحيح وهو ( لا يغادر محله ) ..!!

تربية الحكمة تحتاج إلى أن يكون الإنسان مطلعا على كل ما يستجد من أمور ؛ فلا يمكن لتفاصيل الحكمة أن تكون متاحة لنا إلا إذا كنا مدركين لمتغيرات عصرنا ومتطلباته.

تربية الحكمة تعني ( أن نقرأ ) وأن ( نتابع) ما يستجد من أحداث وتقلبات في واقعنا ؛ فأحيانا تضعف أمور وتقوى اخرى وتنتهي صلاحية أحداث وشروط ( والعلم بها ) من متطلبات الحكمة في إدارة شؤون حياتنا.

تربية الحكمة مع كل ما تم ذكره وما لم يذكر .. يحتاج إلى نقاشات وحوارات ومدارسات كدورات تدريبية يتم طرح ما يحتاج إلى توصيف وتفصيل وتشخيص للأستفادة من تقليب الأفكار لما يتم طرحه من أجل الأخذ بكل ما يخطر على عقولنا ومن ثم الخروج برؤية أقرب للحكمة التي نستهدفها جميعا في تعاطينا مع الأمور والأحكام والأحداث.

وإذا كنا نتداول قاعدة أن ( الحكم على الشيء فرع عن تصوره ) فإن الحكمة لا تكتفي بالتصور الصحيح فقط؛ بل بتنزيله على الواقع وتكييفه وتوقيته ومتطلبات نجاحه ومحاذير إخفاقه .. وتلك هي الحكمة بشقيها العلمي والعملي.

هذه بشكل موجز رؤية ( خلدونية ) تحاول وضع وصفة مهمة في ( تربية الحكمة ) وصناعة جيل من الحكماء يملكون حسا حكيما يفيد الحاضر والمستقبل بخياراته واختياراته التي ترتقي بالواقع إلى حيث الأمن والإيمان والتنمية والأمان.

 أ.د خالد الشريدة .. بريدة

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *