هندسة السلوك

ليس أخطر على صفاء الإنسان من أن يلين قلبه لما كان يراه قبيحًا، أو أن يعتاد صوت الباطل حتى يفقد حساسيته تجاهه. فالمخالطة ليست أمرًا عابرًا، بل أثرها بطيء وعميق، كالماء حين يتسرّب في الصخر، لا يُحدث صوتًا، لكنه يُحدث تغيّرًا.

إلا أن التأثر ليس حتميًا دائمًا؛ فكما تبهت القناعات بالتكرار، قد تقوى بالمقاومة، وتثبت بالتأمل. فالعبرة ليست فقط بما نجاوره، بل أيضًا بكيف نرى ما نجاور، وبمدى وعي القلب حين يفتح أو يغلق أبوابه.

إن للصحبة أثرًا يتجاوز أثر التعليم، وللمجالسة وقعًا يتعدى قوة الحجة، ذلك صحيح، لكنّ التأثير لا يسير في اتجاه واحد؛ فكم من شخص ثبت قلبه في بيئة متقلبة، وكم من نفسٍ أضاءت من حولها رغم عتمة من جاورتهم. العقل قد يضعف تحت تراكم الصور، نعم، لكنّه كذلك قد يستيقظ في لحظة صدق، أو يسترجع وعيه من خلال حوار عابر، أو موقف بسيط.

فليس كل من عاشر الباطل استلطفه، وليس كل من جاور الفساد فقد مناعته. إنما الخطر حين يغيب الوعي، لا حين يشتد البلاء. والإنسان – كما يرى أهل البصيرة – ليس كائنًا مستقلًا يصوغ ذاته في عزلة، بل هو حصيلة خمس مؤثرات تحيط به: صديقٌ يوجّه خطاه، وكتابٌ يغذي فكره، وصوتٌ يتكرر في أذنه، ومحتوى يطالعه يومًا بعد يوم، وقدوةٌ يتأثر بها دون وعي.

هذه الخمسة تصقل ذوقه، وتُعيد تشكيل سلوكه، وتغيّر نظرته إلى العالم كما تنحت الريح ملامح الصخور مع الزمن. ومع ذلك، يظل للإنسان دور فاعل في اختيار ما يدخل عليه من هذه المؤثرات، وفي كيف يتفاعل معها. فالأثر لا يكون مدمّرًا إلا حين يتسلل بلا وعي، ويُترك بلا مراجعة.

ولهذا، لا يتبدل رأي الإنسان دائمًا نتيجة بحث أو حُجّة عقلية، بل كثيرًا ما يتغير بفعل ما يرى ويسمع ويخالط، خاصة إذا تكرر وتزيّن. فالهوى إذا تكررت صورته، لبس ثوب المألوف، والباطل إذا قُدّم مغلفًا بالسخرية والضحكات، اتخذ هيئة رأي محترم.

لكن في المقابل، قد يكون التكرار مدخلًا لترسيخ الحق أيضًا، إذا كان القلب واعيًا، والعقل متيقظًا. فالمعادلات النفسية لا تسير على وتيرة واحدة، ولا تستجيب لكل مؤثر بنفس الشكل. الثبات الحقيقي لا يقوم على حسن النية فقط، بل على حسن البيئة أيضًا.

فالمرء قد يحفظ الحق في ذهنه، لكنه يضعف أمام التكرار، ويخسر في معركة الاعتياد إذا تراخى قلبه. غير أن البيئة ليست قدرًا محتومًا، بل خيارًا نسبيًا.

فمن الناس من يقوى رغم ضعف محيطه، ومنهم من ينهار رغم أن كل شيء حوله يعينه. الفارق هو: كم مرة راجع نفسه؟ وكم مرة تفقّد مَن حوله؟ إن المحيط يعيد تشكيلنا بصمت، ومن الحكمة أن نعيد تشكيله نحن… قبل أن يسبقنا.

فالحذر كل الحذر من بابٍ صغير يُفتح؛ فالبوابات الكبرى تبدأ دومًا بشقّ لا يُرى. لكنّ الخطر ليس في أن يُفتح الباب، بل في أن نغفل عن متابعته. والنجاة ليست في الانعزال التام، بل في وعي الانتقاء: مَن تُصاحب، وماذا تقرأ، ومَن تتابع، وماذا تُبقي حيًا في قلبك. فهذه المؤثرات الخمسة إما أن ترفعك، أو تستنزفك، أو تعيد تشكيلك على هيئة تحبها… أو لا تعرف كيف وصلت إليها. وفي النهاية، الإنسان ليس ابنَ ما يقوله، ولا ما يدّعيه… بل هو ابنُ ما يُخالطه، وما يُؤنسه، وما يمر به كل يوم دون أن ينتبه لتأثيره.

فجوهرنا لا يُصاغ بالكلمات، بل بما نجاور ونُكرّر ونسمح له أن يسكن فينا.

حسن القحطاني 

 

مقالات سابقة للكاتب

2 تعليق على “هندسة السلوك

الكاتب علي محمد قاسم

تحية إلى الأخ الكاتب
اعتقد ان عبارة (فكما تبهت القناعات بالتكرار، قد تقوى بالمقاومة) تحتاج إلى مراجعة ليصح معناها)
وأظن ان صواب المعنى ان القناعات تقوى بالتكرار وتبهت او تضعف بالمقاومة.
لان تكرار الشيء معلوم انه يؤدي إلى تثبيته وما تكرر تقرر كما قيل. والقناعات تتحول بعد ذلك إلى معتقدات.
مع خالص تحياتي

غير معروف

يستطيع المسلم فقط أن يتفاعل مع مجتمعة سواءاً كان المجتمع الواقعي أو الافتراضي تفاعلا ابحابيا فقط حينما يعتني بالجوانب الروحانية التي تنطلق من إعطاء المساحة اللازمة للروح عبر المسجد وخلوات الروح مع الله سبحانه وتعالى كما كان يفعل المؤثرون من قديم الزمن هناك يستطيع أن ينخرط في العلاقات تأثرا وتاثيرا دون أن يذوب في المحيط المتلاطم من حوله..

مقال جيد وإلى الأمام دائماً كما عهدتك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *