وطنٌ اسمه العائلة

يروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قوله: “قيمة كل امرئ ما يحسنه”، والعائلة هي أول ما يجب أن نحسن حفظه إن أردنا قيمة تبقى.
فإن سألت : ما هي العائلةُ ؟
سأقول لك : هي ذاك الوطن الصغير في حجمه، الكبير في معناه، الذي يبدأ من قلبين متعانقين لا يملكان من الدنيا إلا حلمَ البدايات، ونقطةَ صفرٍ تنبتُ منها كلُّ المعجزات.. من والدينِ يَسِيران حفاةً على دروب الحياة، يُطعمان الحب من أعمارِهما، ويُضيئان ليلَ الصغار بشمعةٍ من صبرٍ وأخرى من يقين.

كم نام أب على وجعٍ كي ينام طفلُه على رغد!
وكم حبست أمّ دمعتها كي لا تنكسر أعين صغارها.
هكذا تبدأ الحكاية ..
حكايةُ وطنٍ صغيرٍ يتّسع بنبض الحبّ حتى يصير كوناً عائلياً لا يحدّه شيء.
ثم يكبر الأبناء.. وتكبر أحلامهم.. تكبر البيوتُ من حولهم، وتكبر السماء فوق رؤوسهم، حتى تتحوّل الأسرة إلى عائلةٍ، تتصلُ فيها القلوبُ كالأغصان، وتتشابك الأرواح كالأيدي حين ترتفع للدعاء.
هناك في (اللمة العائلية) حين تلتقي الوجوه وتغيب المسافات، تكتشف أنّ القرب له نبرةٌ دافئة، وأن العائلة أبقى من الأوطان، وأقرب من الوقت، وأحنّ من كل شيء.
العائلةُ يا صديقي لا تخف عليها من الفقر، بل الخوف من شقّ النسيج.. من كلمةٍ جارحة.. من قطيعةٍ عابرة.. من قلوبٍ تنسى فضل بداياتها.
ذلك الثوب الأبيض إن تمزّق خيطٌ منه اتّسع الخرقُ على أهله، وإن هان أحدُهم هانوا جميعاً.
أما حين يتعانقون، وحين يسند القويُّ ضعفَ أخيه، ويستر أحدُهم عثرةَ الآخر، ويقوم الكبير مقام السند، والصغير مقام الزهر، حينها فقط تنزل البركات.. تمدّ الأرض لهم خيرَها، وتفتح السماءُ أبوابها، وتفيض الأيامُ بالسلام.
هذه هي العائلة..
رحلةُ تعَبٍ تُثمر دفئاً، وخطواتُ والدين تُنبت رجالاً ونساءً يملأون الدنيا نسلاً ونبلاً ، وبيوتٌ تبدأ صغيرة.. ثم تكبر وتكبر حتى تصبح وطناً له ملك وشعب يحتمي به من أتعبته الحياة.. وقد قيل : “بيت بلا أهل خراب”.

العائلة عقد أبدي، وميثاق غليظ، ورحمٌ يقرر مآل المرء.. إما إلى جنة وإما إلى سعير.

 أحمد القاري
المدينة المنورة
a.a.qari@hotmail.com

مقالات سابقة للكاتب

8 تعليق على “وطنٌ اسمه العائلة

Sabi sweet

العائلة نعمة لا تُقدَّر بثمن، وسند لا يميل.
سلمت يمناك على الموضوع الجميل ياأستاذ أحمد 👍🏻

مونا النمنكاني

قدمتم لنا في طرحكم مفهوم العائلة كقيمة وجودية لا مجرد إطار اجتماعي
طرح راقي ومتوازن يعكس وعيكم وقدرتكم على ايضال الفكرة بوضوح 👍🏻

آمال عتيبة

“حكايةُ وطنٍ صغيرٍ يتّسع بنبض الحب حتى يصير كونًا عائليًا لا يحده شيء”… كلمات كالضوء الساطع يعكس نوره فتبدو الحكاية الصغيرة بحجم السماء..
من أجمل ما قيل في أسمى علاقة على وجه الكون.. دمت دكتور أحمد لرقي الحرف وصدق المعنى وعمق الإحساس وسمو المشاعر.

غير معروف

ماشاء الله طرح رائع وكلمات وعبارات تعي بالقارئ ان العائلة ليست كلمة تجمع وانما هيا نواة عظيمة جمعها الله لتستمر الحياة

م. الفضل

كلام جميل جدًا، في اعتقادي أن العائلة الصحية المترابطة بكل معاني الترابط هي جنّة الدنيا، نسأل الله من فضله

م. الفضل

كلمات رائعة منك 💐
اعتقد أن من نعيم الدنيا عائلةً دافئة مترابطة متآلفة ،
نسأل الله من فضله العظيم

عدنان أحمد السقاف

قرأتُ مقال «وطنٌ اسمه العائلة» للكاتب الدكتور أحمد القاري؛ فوجدته نصًّا دافئًا يلامس القلب قبل العقل، ويعيد تعريف الوطن من زاوية إنسانية عميقة؛ حيث تكون العائلة هي الجذور، والملاذ، وأول دروس الانتماء.
كتب القاري بلغة صادقة تُجيد الإمساك بروح الأسرة، وتذكّرنا أن التماسك العائلي هو الثروة الحقيقية، وأن السلام يبدأ من بيتٍ متحابّ.
مقال جميل يستحق القراءة والتأمل.

f alhashimi

طرح جميل وهدف نبيل
فكرة سامية بكلمات وعبارت احتضنت القلوب والعقول تشعرنا بالاحتواء والدفء تحت ظل كثيف فيه أسراره ويظهر من الخارج صورة مبهرة فتٰعز من الداخل والخارج
وهي هنا حسب منظور الكاتب الوطن الذي يحتضن الصغير والكبير
هذه المقالة درس يعلمنا ما يجب أن تكون عليه العائلة وكيف تكون العلاقات فيها وكيف نكون نحن فيها
أراها عائلة تتحقق فيها الأمنيات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *