مُنْذُ ثَمَانِ سَنَوَاتٍ، وَفُصُولُ هَذِهِ الحَادِثَةِ لَا تُفَارِقُ نَفْسِي…
سَارِيَةٌ شَامِخَةٌ، صَامِدَةٌ، صَامِتَةٌ، شَاهِدَةٌ عَلَى دُمُوعِ الخَاشِعِينَ وَابْتِهَالَاتِ المُسْلِمِينَ. يَسْكُنُهَا الحَنِينُ؛ سَامِقَةٌ تَشْتَاقُ الزَّفَرَاتِ الحَرَّى،
وَكَأَنَّهَا سِجِلٌّ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ، تَحْتَفِظُ بِكُلِّ مَا تَسْمَعُ، وَتُحِسُّ بِكُلِّ حِسٍّ.
يَسْتَنِدُ إِلَيْهَا كَهْلٌ يَخْتَصِرُ التَّعَبَ وَالإِرْهَاقَ،
رَمَى أَوْصَالَ ظَهْرِهِ عَلَى تِلْكَ السَّارِيَةِ.
أَخَذَ أَنْفَاسَهُ، ثُمَّ بَدَأَ بِدَايَةً كَأَنَّهَا عَادَةٌ لَهُ، وَلَذَّةٌ وَرَاحَةٌ وَاطْمِئْنَانٌ.
مَلَابِسُهُ بَالِيَةٌ كَجَسَدِهِ المُنْهَكِ.
عِنْدَمَا تُحَدِّقُ النَّظَرَ إِلَيْهِ، تَقُولُ: “هَذَا لَا يُحْسِنُ إِلَّا المَوْتَ!”
وَهُنَا يَشُدُّكَ تَحْبِيرُ صَوْتِهِ بِرِوَايَةِ قَالُونَ:
“بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المص ”
صَوْتٌ خَشَعَ مِنْهُ كُلُّ حَرْفٍ، وَخَشَعَ لَهُ كُلُّ حِسٍّ.
قُلْتُ: “لَا يَتَعَدَّى بِضْعَ آيَاتٍ…”
وَقُلْتُ: “لَنْ أَشْغَلَ نَفْسِي بِهِ…”
وَلَكِنَّ الشَّوْقَ إِلَى تِلَاوَتِهِ كَانَ طُوفَاناً، يَجْرِفُكَ فِي طَرِيقِهِ.
عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، أَتَى عَلَى سُورَةِ الْأَعْرَافِ، دُونَ خَطَأٍ، دُونَ كَلَلٍ، دُونَ مَلَلٍ، دُونَ انْصِرَافٍ.
قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ وَجَوَارِحُهُ لَا تَعْرِفُ غَيْرَ سَطْوَةِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى.
لَمْ يُكَلِّمْنِي وَلَمْ أُكَلِّمْهُ، فَالمَقَامُ هُنَا جَلَالٌ.
وَلَمَّا سَجَدَ عِنْدَ تَمَامِ الْأَعْرَافِ،
قَطَعَ المُؤَذِّنُ تِلْكَ الرَّهْبَةَ، وَكَأَنَّ المُؤَذِّنَ يَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ:
“صَلَاةُ القِيَامِ، أَثَابَكُمُ اللَّهُ!”
وَحِينَئِذٍ شَعَرْتُ أَنَّ العَجْزَ لَيْسَ فِي البَدَنِ وَالكُهُولَةِ وَالفَقْرِ،
بَلْ هُوَ عَجْزُ النَّفْسِ عَنِ الذِّكْرِ وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ الَّتِي لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.
وَعِنْدَهَا تَعْرِفُ وَتَشْعُرُ بِلَذَّةِ المُنَاجَاةِ.
وَأَنْتَ قِفْ مَعَ نَفْسِكَ: كَمْ نَصِيبُ القُرْآنِ مِنْ يَوْمِكَ، مِنْ عُمُرِكَ، مِنْ فَرَاغِكَ، مِنْ وَقْتِكَ، مِنْ قِيَامِكَ، مِنْ صَلَاتِكَ؟
ثُمَّ حَاسِبْهَا إِنْ كَانَ التَّقْصِيرُ مَسْلَكَهَا،
وَاسْتَمِرَّ فِي الإِحْسَانِ إِلَى الإِحْسَانِ إِنْ كَانَتْ مِنَ المُحْسِنِينَ.
محمد بن أحمد بن سالم الشلاع
مقالات سابقة للكاتب